فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 950

مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) [آل عمران: 133] [1] ، فقد بَيَّنَ أنَّ معنى الآيةِ: بَادروا إلى ما يسترُ عليكم ذنوبَكم مِن رَحْمةِ الله، وما يُغطِّيها عليكم مِنْ عَفوِهِ، وبادروا أيضًا إلى جنةٍ عَرضُها كعرضِ السمواتِ السبعِ، والأَرضينَ السبعِ إذا ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ، ثم قال: «وإِنَّمَا قيل: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ، فوصفَ عرضَها بالسمواتِ والأَرَضِين، والمعنى ما وصفْنَا، من وصفِ عرضِها بعرض السموات والأرض تَشبيهًا به في السَّعَةِ والعِظَمِ، كما قيل: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28] [2] ، يعني: إِلَّا كَبعثِ نَفسٍ واحدةٍ، وكما قال الشاعر [3] :

كَأَنَّ عَذِيرَهُمْ بِجَنُوبِ سِلَّى ... نَعَامٌ قَاقَ في بَلَدٍ قِفَارِ [4]

أي: عذيرُ نَعَامٍ، وكما قالَ الآخرُ [5] :

حَسِبْتَ بُغَامَ راحلتي عَنَاقًا! ... وما هيَ - ويبَ غَيْرِكَ - بِالعَنَاقِ [6]

يريد: صَوتَ عَنَاقٍ» [7] .

وهذا الذي أشار إليه الطبري - معتمدًا على شواهد الشعر - هو من باب حذفِ المضافِ دون المضاف إليه، وقد حُذفَ لدلالةِ ما تقدم عليه من جهةٍ، ولإفادة معنىً لم يكن ليحصلَ للسامعِ لو لم يُحذفِ المضاف [8] . وهو باب من أبواب البلاغة.

هذا شيء من صور اعتماد الإمام الطبري على الشاهد الشعري في تفسيره «جامع البيان» ، والذي يُعَدُّ بِحَقٍّ أقدرَ المفسرين على الاستفادة من

(1) آل عمران 133.

(2) لقمان 28.

(3) هو شقيق بن جزء بن رياح الباهلي.

(4) الكامل 3/ 1253، وسِلَّى موضعٌ بالبادية. انظر: معجم البلدان 3/ 232.

(5) هو ذو الخرق الطهوي كما نسبه الطبري نفسه في التفسير (شاكر) 3/ 339.

(6) يصف ذئبًا تبعه، كما في معاني القرآن للفراء 1/ 62، مجالس ثعلب 1/ 61.

(7) تفسير الطبري (شاكر) 7/ 207 - 208.

(8) انظر: الصاحبي 337، خصائص التعبير القرآني للمطعني 2/ 43 - 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت