فإِنِّي وإِيَّاكُمْ وشَوقًا إليكمُ ... كَقابضِ مَاءٍ لم تسقه أَنامِلُه [1]
يعني بذلك أنه ليس في يده من ذلك إلا كما في يد القابض على الماء؛ لأن القابض على الماء لا شيء في يده، وقال الآخر [2] :
فأَصْبحتُ مِمَّا كانَ بَيْنِي وبَيْنها ... مِن الوُدِّ مثلَ القَابضِ الماءَ باليَدِ». [3]
ففي هذين الشاهدين البلاغيين دلالة التشبيه، وقد شرح الطبري الأول منهما، وهذا منهج عند الطبري أن يشرح الشاهد الأول ويترك ما بعده استغناء بشرح الأول، وثقةً بفطنةِ القارئ.
2 -وعند قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 22] [4] فَسَّر ابن عطية السماءَ بأنَّها بِمعنى السَّحاب، وأنه: «سُمِّي بذلكَ تَجوُّزًا، لَمَّا كان يَلي السماءَ ويُقاربُها، وقد سَمُّوا المطرَ سَماءً للمُجاورةِ، ومنه قول الشاعر [5] :
إذا نَزَلَ السماءُ بأَرض قَومٍ ... رَعيناهُ وإنْ كانوا غِضابا [6]
فتجوزٌ أيضًا في «رعيناهُ» ، فبتوسط المطرِ جَعلَ السماءَ عُشبًا». [7]
وابن عطية يشير إلى ما يسميه البلاغيون المَجازُ المرسل وإن لم ينص عليه بالاسم، ومعنى البيت: إذا سقط المطرُ بأرض قومٍ فأخصبت بلادُهم، وأجدبتْ بِلادُنا، سِرْنا إليهم ورعينا نباتَهم، وإن غضب أهلها لم نُبالِ بذلك لِعزِّنا. والضمير في قوله: «رعيناه» . كأَنَّه عائدٌ إلى السماء التي بِمعنى المطرِ، سُمِّي النباتُ به لأنهُ سببُ حُدُوثه بأمر الله.
(1) الصناعتين 184، خزانة الأدب 9/ 323.
(2) هو أبو دهبل الجمحي، والشاهد في الأغاني 7/ 139، ونُسِبَ للأحوص الأنصاري كما في حاشية ديوانه المجموع 273، ورجَّحَ جامعُ الديوان نسبته لأبي دهبل.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 16/ 399 - 400.
(4) البقرة 22.
(5) هو معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب.
(6) انظر: المفضليات 359 وقد استوفى المحقق تخريجه، الحماسة البصرية 1/ 252.
(7) المحرر الوجيز 1/ 142.