وورد في رواية للحديث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «والذي نفسي بيده لأَنْ يَمتليءَ جوفُ أحدكم قيحًا ودمًا خيرٌ له من أن يَمتليء شعرًا يهجو به النَّاسَ ويؤذيهم» [1] ، وفسَّرتُهُ عائشة رضي الله عنها بقولِها: «يعني الهجاء منه» [2] .
وهذه الأحاديث التي وردت في الذمِّ مَحمولةٌ على مَنْ أقبلَ على الشِّعرِ واشتغلَ به عن الذِّكرِ والصلاة وطاعة الله تعالى، وعلى مَن أقبل على شعر اللهو والعَبَثِ والباطل. ولذلك بَوَّبَ البخاريُّ في صحيحه: «بابُ ما يُكرهُ أَنْ يكونَ الغالبُ على الإنسانِ الشعرَ حتى يَصُدَّهُ عن ذكر اللهِ والعلمِ والقرآن» [3] . ولذلك قال بعض العلماء: «وحَدُّ ما دون الامتلاء أن يعلم المرءُ ما يَلزمهُ، ويَروي مع ذلك من الشعر ما شاء» [4] . وأما قول عائشة رضي الله عنها فهو محمول على بغض الشعر الذميم الذي يفيض بالفحش وهتك الأعراض [5] . ويلخص الحكم ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «الشعر بِمنْزِلةِ الكلام، حَسَنُهُ كَحَسَنِ الكلامِ، وقَبيحُهُ كقَبيحِ الكلامِ» [6] .
(1) المنتخب من كتاب الشعراء لأبي نعيم الأصبهاني 32
(2) الفاضل للمُبَرِّد 13، فتح الباري 10/ 565، غريب الحديث 1/ 162، تهذيب الآثار للطبري 2/ 651، الإحكام للآمدي 3/ 73، نضرة الإغريض للعلوي 361، شرح مسلم للنووي 15/ 21، فتح الباري 10/ 565.
(3) صحيح البخاري - كتاب الأدب 5/ 2279، صحيح مسلم 4/ 46، سنن أبي داوود 4/ 414.
(4) الإحكام لابن حزم 2/ 342، أضواء البيان 6/ 390، الاستقامة لابن تيمية 1/ 243.
(5) السيرة الحلبية 2/ 260.
(6) الأدب المفرد للبخاري - باب الشعر حسنه كحسن الكلام ومنه قبيح 299 (865) ، السنن الكبرى للبيهقي - كتاب الشهادات - باب شهادة الشعراء 10/ 239، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 122: رواه الطبراني في الأوسط وقال: لا يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بهذا الإسناد. قال: وإسناده حسن. أ. هـ وحسنه النووي في الأذكار 646، وضعفه ابن حجر في الفتح 10/ 555، وصححه الألباني لمجموع طرقه في صحيح الجامع 1/ 694 (3733) .