فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 950

شعرهم على العلماء من بعدُ، وقد اعتذر الجاحظ للشعراء بأنهم إنما يتكلمون بمثل هذا الشعر مع الغضب، وضيق الصدر، طلبًا للتشفي، وإدخال الغيظ على المقصود بالشعر، ولم يقدروا فيه أن الناس يجعلون قوله ذلك شاهدًا يستشهدون به [1] ، وهذا اعتذار لطيف، وإذا تأملت الشواهد التي على هذه الشاكلة وجدتها لا تخرج عن باب الهجاء أو النسيب الفاحش الذي هو إلى الهجاء أقرب منه إلى النسيب.

وتظهر أهمية مثل هذا المنهج في أن كثيرًا من شعر أهلِ الجاهليةِ خاصة وبعض شعر الإسلام لا يَخلو من بعضِ الألفاظِ المستقبحةِ، فمَن استبعدها من شواهده فَرَّطَ في كثير من الحروف والشواهد التي يستدلُّ بِها على لغة القرآن وتفسيرها. والأمثلة على تجوز المفسرين في الاستشهاد بمثل هذا الشعر مبثوثة في كتب التفسير [2] ، وإن كان بعض الرواة والعلماء قد يغيّر تلك اللفظة القبيحة بِمَا يَحفظ للبيت وزنه، وقد يذهب بِمَحلِّ الشاهد منه، تحرجًا من ذكر هذه الألفاظ [3] . وقد حاول العسكريُّ ومن قبله ابنُ قتيبة والجاحظ تَسويغ عَملِ العلماءِ هذا، وروايتهم لمثلِ هذا الشعر فقال: «على أَنَّ العلماء لو تركوا روايةَ سخيفِ الشعرِ لَسقطتْ عنهم فوائدُ كثيرةٍ، ومَحاسنُ جَمَّةٌ موفورةٌ في مثل شعرِ الفرزدقِ، وجرير، والبُعيث، والأخطلِ وغيرهم» [4] .

وقد ظهر لي من تتبع صنيع المفسرين في التعامل مع الشواهد التي

(1) انظر: البُرصان والعُرجان والعُميان والحُولان 162 - 163.

(2) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 4/ 197، تفسير الطبري (هجر) 2/ 119، 3/ 231، 5/ 551، المحرر الوجيز 14/ 109، طبقات فحول الشعراء 2/ 336 - 337، خزانة الأدب 7/ 388 - 389.

(3) انظر: الكتاب 1/ 48 - 49، المقتضب 4/ 94، شرح المفصل 7/ 94 - 95، خزانة الأدب 7/ 193 - 194.

(4) ديوان المعاني للعسكري 1/ 211، وانظر: رسائل الجاحظ 1/ 92، البيان والتبيين 1/ 164، تأويل مشكل القرآن 173، مقدمة عيون الأخبار ك، ي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت