وسلم حيث أخبر بهذه الغيوب، فتمام الإيمان بالغيب: أن يؤمن العبدُ بجميع رسل الله ويعرف من صفاتهم ومن دعوتهم ما يحقق به هذا الأمر.
وكذلك: يؤمن بجميع الكتب، خصوصًا هذا القرآن العظيم، الذي كلف العبد بالإيمان به إجمالًا وتفصيلًا.
وكيفية الإيمان على وجهِ الإجمالِ والتفصيل: أن يؤمن ويصدِّق بأنه كلامُ الله، أنزله مع جبريل عليه السلام على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بهذا اللسان العربي؛ لينذر الخلق ويهدي إلى الحق في جميع المطالب، ويلتزم العبد التزامًا لا تردد فيه تصديقَ إخباراته كلِّها، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإحلال حلاله وتحريم حرامه، ثم يُحقق هذا الأصلَ بتفاصيله، فيتفهّم ما دلت عليه أخبارُه، ويجعلها عقيدة لقلبه راسخة، لا تزلزلها الشُبَه، ولا تُغيّرها العَوارض، ويجتهد في كل ما أُمِر به من أعمال القلوب والجوارح أن يقوم به على وجه الكمال والتكميل، علمًا وعملًا وحالًا؛ وما لا يقدر عليه ينوي فعلَه لو قَدَر عليه. وكذلك النواهي: يأخذ نفسَه في كل ما نهي عنه أن لا يقربه ولا يحوم حوله؛ امتثالًا لأمر الله، ورجاء لثوابه، فبحسب قيام العبد بهذا يكون إيمانه بالغيب، فمستقلٌ ومستكثرٌ ومتوسطٌ، ويدخل في هذا النوع: الإيمان بأخباره بما كان من الأمور الماضية، وما يكون من الأمور المستقبلة.
ومن أنواع الإيمان بالغيب: الإيمان باليوم الآخر، وبما وعد اللهُ العبادَ من الجزاء، فدخل في هذا: الإيمانُ بجميع ما يكون بعد الموت من فتنة القبر وأحواله، ومِن صفات يوم القيامة وأهوالِه، ومن صفات النار وأهلها، وما أعد اللهُ لهم فيها، ومن صفات الجنة وأهلها، وما أعد الله فيها لأهلها، فيفهمها فهمًا صحيحًا مأخوذًا من الكتاب ودلالته البينة، ومن السنة الصحيحة ودلالتها الظاهرة، فبحسب ما يصل إلى العبد من نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب، وفهمها على وجهها؛ يكون إيمان العبد بالغيب.
وإذا استقر الإيمان بالوعد والوعيد في قلب العبد، وحصل فيه من ذلك تفاصيلُ كثيرة؛ أوجب له الرغبة في فعل ما يقرّبه إلى ثواب الله، والرهبة من الأسباب الموجبة للإهانة، وعلم أن الله تعالى قائمٌ على كل نفس بما عملت من خير وشر، وأنه واسع الفضل، كامل العدل، قال تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ