{وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ، وفي الحديث الصحيح «لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها» ، وفي الحديث الآخر: «إن الله كتَب كتابًا عنده فوق عرشه أن رحمتي سبقت غضبي» [1] .
وفي الجملة: فالله خلق الخلق برحمته، وأرسل إليهم الرسل برحمته، وأمرهم ونهاهم وشرع لهم الشرائع برحمته، وأسبغ عليهم النعمة الظاهرة والباطنة برحمته، ودبرهم أنواع التدبير وصرفهم بأنواع التصريف برحمته، وملأ الدنيا والآخرة من رحمته، فلا طابت الأمور ولا تيسرت الأشياء ولا حصلت المقاصد وأنواع المطالب إلا برحمته، ورحمته فوق ذلك وأجل وأعلى وللمحسنين المتقين من رحمته النصيب الوافر والخير المتكاثر: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] وهكذا يتدبر العبدُ صفات ربه وآثارها وأحكامها؛ حتى ينصبغ قلبُه بمعرفته، ويستنير فؤادُه ويمتلئ من عظمة خالقه وشواهد صفاته، ولنقتصر على هذا التنبيه اللطيف على هذه الأسماء الثلاثة؛ ليُحتَذى في باقيها على هذا الحذو، ويتدبر - مثلًا - آيةَ الكرسي، وأولَ سورة آل عمران، وأولَ سورة الحديد وغافر، وآخرَ سورة الحشر، وسورةَ الإخلاص ونحوها من الآيات المشتملة على هذا العلم العظيم، وما يتأيد بها من الأحاديث النبوية؛ لينال حظًا جزيلًا من الإيمان بالغيب، وليكون من الذين يخشون ربهم بالغيب.
ومن الإيمان بالغيب: الإيمان بجميع رسل الله الذين أرسلهم على وجه الإجمال والتفصيل لأشخاصهم ولدعوتهم وشرعهم، وكذلك الإيمان بجميع الكتب التي أنزلها الله هداية للعباد على ما اجتباهم برسالته، ولهذا سمى الله الوحي الذي أنزله على رسوله غيبًا، فقال: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24] ، ويذكر تعالى من أدلة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم الأخبار بوقائع الأنبياء المتقدمين وما جرى لهم فيقول: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هود: 49] ، {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] ، {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} [القصص:44] ، وما أشبه هذا مما فيه التبيان لصحة رسالة محمد صلى الله عليه
(1) البخاري ح (6986) .