«بلى، والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» [1] ولهذا كانت الصدّيقيةُ التي أثنى بها على خواص خلقه هي: تكميل مراتب الإيمان علمًا وعملًا ودعوة.
وكما أن مِن تحقيق الإيمان أن تكون الأعمال الصالحة مصدقة له؛ فمِن تحقيقه أيضًا: أن يكون المؤمن متنزهًا عن الإثم والفسوق، وأنواع المعاصي الداخلة في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] .
ومن موجبات الإيمان: صرفُ الأموال في مصارفها الشرعية، ووضعُها مواضعَها، وإقامة الحدود التي حد اللهُ ورسولُه، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الأنفال: 41] وقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور: 2] ، وقال: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] إلى غير ذلك من النصوص في الكتاب والسنة الدالةِ على وصف المؤمنين، وأن العبد لا يستحق حقيقة الإيمان حتى يتصف بها.
وفي الجملة: فكلما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا أو: اتركوا كذا؛ كان امتثالُ ذلك الأمر، واجتنابُ ذلك النهي من مقتضيات الإيمان وموجباته، الذي لا يتم إلا بها، فبهذا ونحوه تعرف حقيقةَ الإيمان الذي جعله الله عنوانَ السعادة، ومادةَ الفلاح، وسببَ الفوز بكل مطلوب، والنجاة من كل مرهوب؛ فنسأله تعالى إيمانًا كاملًا يهدي به قلوبنا إلى معرفته ومحبته، والإنابة إليه في كل أمر وألسنَتَنا إلى ذكره والثناء عليه، وجوارحَنا إلى طاعته، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9] .
(1) البخاري ح (3256) ، مسلم ح (2831) .