ومن ذلك: دعاء آدم عليه السلام حين تاب إلى الله وتلقى منه هذه الكلمات هو وزوجه: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] فتوسلا بربوبية الله واعترافهم بالظلم، وإقرارهم بالذنب أن يغفر لهما؛ فيزيل عنهما المكاره كلها، وأن يرحمهما فيعطيهما أنواع المطالب، وأنه لا وسيلة لهما ولا ملجأ منه إلا إليه، وأنه لئن لم يرحمهما ويغفر لهما خسِرا الدنيا والآخرة؛ فقبل الله دعاءهما وغفر لهما ورحمهما.
ومثل قول نوح لمَّا لامه اللهُ بسؤال نجاة ابنه الكافر، الذي ليس من أهله، وأن هذا عمل غير صالح، فقال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47] فتوسل بربوبية الله واستعاذ به أن يسأله سؤالا ليس له به علم، وإنما حمله عليه مجرد محبة النفس لا إرادة رضى الله، واعترف بأن هذا الذي جرى منه يوجب التضرع والاستغفار، وأنه إن لم يغفر له ربُه ويرحمه كان من الخاسرين، فالناس قسمان:
رابحون: وهم الذين تغمدهم الله بمغفرته ورحمته، وخاسرون: وهم الذين فاتتهم المغفرة والرحمة، ولا يحصل ذلك إلا بالله.
ومن ذلك: دعاء إبراهيم خليل الرحمن، وابنه إسماعيل، وهما يرفعان قواعد البيت: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 127، 128] فتضرعا إلى ربهم في قبول الله عملهما، وأن يكون كاملًا من كل وجه، وتحصل منه الثمرات النافعة، وتوسلا إليه بأنه السميع لأقوالهما، العليم بجميع أحوالهما، ولما دعوا بهذا الدعاء الخاص في قبول عملهما سألا اللهَ أجلَّ الأمور وأعلاها، وهو أن يمن الله عليهما وعلى من شاء من ذريتهما بالإسلام لله ظاهرًا وباطنًا والعمل بما يحبه ويرضاه، وأن يعلمهما العمل الذي شرعا فيه، ويكمّل لهما مناسكهما - علمًا ومعرفةً وعملًا - وأن يتوب عليهما لتتم أمورهما من كل وجه؛ فاستجاب الله هذا الدعاء كله، وبارك فيه وحقق رجاءهما، والله ذو الفضل العظيم.
وكذلك: دعاء يوسف عليه السلام: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا