بالهداية بدل من الأوّل بدل كل من كل والعامل فيه مقدّر على رأي الجمهور، وقيل: العامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو ظاهر مذهب سيبويه، واختاره ابن لك.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما فائدة ذكر {صراط الذين أنعمت عليهم} بدلًا تابعًا؟
وهلا اقتصر عليه مع أنه المقصود بالنسبة؟
أجيب: بأنَّ فائدته التوكيد والتنصيص على أنَّ طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة على آكد وجه وأبلغه؛ لأنه جعل كالتفسير والبيان له فكأنه من البين الذي لا خفاء فيه إنّ الطريق المستقيم ما يكون طريق المؤمنين وهذا هو الموافق لما خرّج ابن جرير عن ابن عباس، إن المراد بالذين أنعمت عليهم الأنبياء والملائكة والصدّيقون والشهداء ومن أطاعه وعبده، وقيل: الذين أنعمت عليهم الأنبياء خاصة صلوات الله وسلامه عليهم، وقيل: أصحاب موسى وعيسى قبل التحريف والنسخ.
(تنبيه)
أطلق الإنعام ليشمل كل إنعام لأنّ من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه ويبدل من الذين بصلته.
{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} وهم اليهود، لقوله تعالى: {مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} (المائدة، 60) {وَلاَ} أي: وغير {الضَّآلِّينَ} وهم النصارى، لقوله تعالى: {قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ} (المائدة، 77) الآية، ونكتة البدل إفادة أنَّ المهتدين ليسوا يهودًا ولا نصارى، وقيل: إنّ غير صفة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله تعالى والضلال، وقيل: المغضوب عليهم هم الكفار والضالون هم المنافقون، وذلك لأنه تعالى بدأ في أوّل البقرة بذكر المؤمنين والثناء عليهم في خمس آيات ثم أتبعه بذكر الكفار وهو المراد من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} (البقرة، 6) ثم أتبعهم بذكر المنافقين وهو قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} (البقرة، 8) إلخ .. وكذا ههنا بدأ بذكر المؤمنين وهو قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ثم أتبعهم بذكر الكفار وهو قوله {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} ثم أتبعهم بذكر المناففين بقوله: {وَلاَ الضَّآلِّينَ} .
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف صح أن يقع غير صفة للمعرفة وهو لا يتعرّف وإن أضيف إلى المعارف؟
أجيب: بأنه يصح بأحد تأويلين؛ أحدهما: إجراء الموصول مجرى النكرة إذ لم يقصد به معهود كالمحلى باللام في قول القائل:
*ولقد أمرّ على اللئيم يسبني
أي: لئيما يسبني إذ لا مرور على الكل، والثاني: جعل غير معرفة بالإضافة لأنه أضيف إلى ما له ضدّ واحد وهو المنعَم عليه فليس في غير إذن الإبهام الذي يأبى عليه أن يتعرّف.
(تنبيه)
إنما سُمي كل من اليهود والنصارى بما ذكر مع أنه مغضوب عليه وضالّ لاختصاص كل منهما بما غلب عليه، وقال صلى الله عليه وسلم «إن المغضوب عليهم اليهود وإنّ الضالين النصارى» رواه
ابن حبان وصححه، وقيل: المغضوب عليهم العصاة والضالين الجاهلون بالله لأنّ المنعم عليه من وفق للجمع بين معرفة الحق لذاته والخير للعمل، به فكان المقابل. له من اختلّ إحدى قوّتيه العاقلة والعاملة والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه لقوله تعالى في القاتل عمدًا: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ} (النساء، 97) والمخل بالعمل جاهل ضال لقوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} (يونس: 32) .
«فَإِنْ قِيلَ» : ما معنى غضب الله لأنّ الغضب ثوران النفس عند إرادة الانتقام أو تغير يحصل عند ثوران دم القلب إرادة الانتقام وهو محال في حقه تعالى؟
أجيب: بأنه إذا أسند إلى الله تعالى أريد به المنتهى والغاية فمعناه إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعل الملك إذا غضب على من تحت يده نعوذ بالله من غضبه ونسأله رضاه ورحمته.
«فَإِنْ قِيلَ» : أيّ فرق بين عليهم الأولى والثانية؟
أجيب: بأنَّ محل مجرور الأولى النصب على المفعولية، ومحل مجرور الثانية الرفع لأنه نائب مناب الفاعل.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم دخلت لا في {وَلاَ الضَّآلِّينَ} ؟
أجيب: بأنها بمعنى غير كما قرّرته تبعًا للجلال المحلي، وأنها مزيدة كما قال الزمخشري لتأكيد ما في غير من معنى النفي، كأنه قال: لا المغضوب عليهم ولا الضالين، وللتصريح بتعلق النفي بكل من المعطوف والمعطوف عليه.
فائدة: أوّل السورة مشتمل على الحمد لله والثناء عليه والمدح له وآخرها مشتمل على الذمّ للمعرضين عن الإيمان به والإقرار بطاعته وذلك يدلّ على أنَّ مطلع الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على الله، ومطلع الآفات ورأس المخالفات هو الإعراض عن الله تعالى والبعد عن طاعته والاجتناب عن خدمته.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما فائدة {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ} إلخ بعد ذكر {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ؟
أجيب: بأنَّ الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال عليه الصلاة والسلام: «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» فقوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} يوجب الرجاء الكامل وقوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} إلخ يوجب الخوف الكامل وحينئذٍ يتقوّى الإيمان بركنيه وطرفيه وينتهي إلى حدّ الكمال وقرأ حمزة عليهم: غير المغضوب عليهم بضمّ الهاء وفقًا ووصلًا، وكذا جميع ما في القرآن