(موعظة)
لله در أقوام أطار ذكر النار عنهم النوم، وطال اشتياقهم إلى الجنان الصوم، فنحلت أجسادهم، وتغيرت ألوانهم، ولم يقبلوا على سماع العذل في حالهم واللوم، دافعوا أنفسهم عن شهوات الدنيا بغد واليوم، دخلوا أسواق الدنيا فما تعرضوا لشراء ولا سوم، تركوا الخوض في بحارها والعوم، ما وقفوا بالإشمام والروم، جدوا في الطاعة بالصلاة والصوم، هل عندكم من صفاتهم شيء يا قوم؟
قالت أم الربيع أم حيثم لولدها: يا بني ألا تنام؟ قال: يا أماه، من جن عليه الليل وهو يخاف الثبات حق له أن لا ينام.
فلما رأت ما يلقي من السهر والبكا، قالت: يا بني لعلك قتلت قتيلًا، قال: نعم، قالت: ومن هذا القتيل حتى نسأل أهله فيغفرون، فوالله لو يعلمون ما تلقى من السهر والبكاء لرحموك، فقال: يا والدتي، هي نفسي.
قيل لزيد بن مزيد: ما لنا لم نزل نراك باكيًا، وجلًا خائفًا، فقال: إن الله توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لبكيت حتى لا تجف لي عبرة.
وكان آمد الشامي يبكي وينتحب في المسجد حتى يعلو صوته وتسيل دموعه على الحصى، فأرسل إليه الأمير: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك، وارتفاع صوتك، ولو أمسكت قليلًا، فبكى ثم قال: إن حزن يوم القيامة أورثني دموعًا غزارًا فأنا أستريح إلى ذرها:
يا عاذل المشتاق دعه فإنه ... يطوي على الزفرات غير حشاكا
لو كان قلبك قلبه ما لمته ... حا شاك مما عنده حاشاكا
وعوتب عطاء السلمي في كثرة البكاء، فقال: إني إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله تعالى، مثلت نفسي بينهم فكيف لنفس تغل يدها وتسحب إلى النار ولا تبكي؟
وقيل لبعضهم: ارفق بنفسك، فقال: الرفقَ أطلب.
وقال أسلم بن عبد الملك: صحبت رجلًا شهرين، وما رأيته نائمًا بليل ولا نهار، فقلت: ما لك لا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي، ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في أخرى.
كثر فيك اللوم فأين سمعي وهم قلبي واللوم عليك منجد ومتهم؟ قال: أسهرت والعيون الساهرات نوم، وليس من جسمك إلا جلدة وأعظم .. وما عليهم سهرى ولا رقادى لهم، وهل سمان الحب إلا سهر وسقم، خذ أنت في شأنك يا دمعي وخل عنهم.