فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 796

(الْكَلامُ عَلَى قوله تعالى {ويحذركم الله نفسه} )

يَا مُبَارِزًا بِالذُّنُوبِ خُذْ حِذْرَكَ, وَتَوَقَّ عِقَابَهُ بِالتُّقَى فَقَدْ أَنْذَرَكَ, وَخَلِّ الْهَوَى فَإِنَّهُ كَمَا تَرَى صَيَّرَكَ, قَبْلَ أَنْ يَغْضَبَ الإِلَهُ وَيُضَيِّقَ حبسه, {ويحذركم الله نفسه} .

اجْتَهِدْ فِي تَقْوِيَةِ يَقِينِكَ قَبْلَ خُسْرِ مَوَازِينِكَ, وَقُمْ بِتَضَرُّعِكَ وَخِيفَتِكَ قَبْلَ

نَشْرِ دَوَاوِينِكَ, وَابْذُلْ قُوَاكَ فِي ضَعْفِكَ وَلِينِكَ, قَبْلَ أَنْ يَدْنُوَ الْعَذَابُ فَتَجِدَ مَسَّهُ, {وَيُحَذِّرُكُمُ الله نفسه} .

لَمَّا سَمِعَ الْمُتَيَقِّظُونَ هَذَا التَّحْذِيرَ فَتَحُوا أَبْوَابَ الْقُلُوبِ لِنُزُولِ الْخَوْفِ, فَأَحْزَنَ الأَبْدَانَ وَقَلْقَلَ الأَرْوَاحَ فَعَاشَتِ الْيَقَظَةُ بِمَوْتِ الْهَوَى, وَارْتَفَعَتِ الْغَفْلَةُ بِحُلُولِ الْهَيْبَةِ, وَانْهَزَمَ الْكَسَلُ بِجَيْشِ الْحَذَرِ, فَتَهَذَّبَتِ الْجَوَارِحُ مِنَ الزَّلَلِ وَالْعَزَائِمُ مِنَ الْخَلَلِ, فَلا سُكُونٌ لِلْخَائِفِ وَلا قَرَارٌ لِلْعَارِفِ, كُلَّمَا ذَكَرَ الْعَارِفُ تَقْصِيرَهُ نَدِمَ عَلَى مُصَابِهِ, وَإِذَا تَصَوَّرَ مَصِيرَهُ حَذِرَ مِمَّا فِي كِتَابِهِ, وَإِذَا خَطَرَ الْعِتَابُ بِفِنَائِهِ فَالْمَوْتُ مِنْ عِتَابِهِ, فَهُوَ رَهيِنُ الْقَلَقِ بِمَجْمُوعِ أَسْبَابِهِ.

كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَمُرُّ بِالآيَةِ فِي وِرْدِهِ فَيَبْكِي حَتَّى يَسْقُطَ وَيَبْقَى فِي الْبَيْتِ مَرِيضًا يُعَادُ.

وَقَرَأَ الْحَسَنُ لَيْلَةً عِنْدَ إِفْطَارِهِ {إِنَّ لَدَيْنَا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة} فَبَقِيَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا يَطْعَمُ.

حَقِيقٌ بِمَنْ عَلِمَ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ, وَتَيَقَّنَ أَنَّ الْعَمَلَ يُحْصَى عَلَيْهِ, وَأَنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرَّحِيلِ عمل لَدَيْهِ, إِلَى مَوْقِفٍ صَعْبٍ يُسَاقُ إِلَيْهِ, يَتَجَافَى عَنْ مُضْطَجَعِ الْبَطَالَةِ بِجَنْبَيْهِ.

قَالَ حَاتِمٌ الأَصَمُّ: مَنْ خَلا قُلْبُهُ مِنْ ذِكْرِ أَخْطَارِ أَرْبَعَةٍ فَهُوَ مُغْتَرٌّ, فَلا يَأْمَنُ الشَّقَاءَ.

الأَوَّلُ: خَطَرُ يَوْمِ الْمِيثَاقِ, حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَؤُلاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلا أُبَالِي وَهَؤُلاءِ فِي النَّارِ وَلا أُبَالِي؛ وَلا يَعْلَمُ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كَانَ؟

وَالثَّانِي: حِينَ خُلِقَ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ, فنودي الْمَلَكُ بِالشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ, ولا يدري أمن الأشقياء هم أَمْ مِنَ السُّعَدَاءِ؟

وَالثَّالِثُ: ذِكْرُ هَوْلِ الْمَطْلَعِ, وَلا يَدْرِي أَيُبَشَّرُ بِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِسَخَطِهِ؟

وَالرَّابِعُ: يَوْمَ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا وَلا يَدْرِي أَيَّ الطَّرِيقَيْنِ يَسْلُكُ بِهِ؟

فَمَحْقُوقٌ لِصَاحِبِ هَذِهِ الأَخْطَارِ أَنْ لا يُفَارِقَ الْحُزْنُ قَلْبَهُ!

بَكَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْلَةً فَأَطَالَ, فَسُئِلَ عَنْ بُكَائِهِ, فَقَالَ: ذَكَرْتُ مَصِيرَ الْقَوْمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ"ثُمَّ صَرَخَ وَغُشِيَ عَلَيْهِ.

(كَمْ ذَا أُغَالِطُ أَمْرِي ... كَأَنَّنِي لَسْتُ أَدْرِي)

(أَغْفَلْتُ ذَا الَّذِي كَانَ ... فِي مُقَدَّمِ عُمْرِي)

(وَلَمْ أَزَلْ أَتَمَادَى ... حَتَّى تَصَرَّمَ دَهْرِي)

(مَنْ لِي إِذَا صِرْتُ رِهْنًا ... بِالذَّنْبِ فِي رَمْسِ قَبْرِي)

(بِأَيِّ عُذْرٍ أُلاقِي ... رَبِّي لِيَقْبَلَ عُذْرِي)

(فَلَيْتَ شِعْرِي مَتَى أُدْرِكُ ... الْمُنَى لَيْتَ شِعْرِي)

يَا مَنْ قَدْ وَهَى شَبَابُهُ, وَامْتَلأَ بِالزَّلَلِ كِتَابُهُ, أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ الْجُلُودَ إِذَا اسْتُشْهِدَتْ نَطَقَتْ, أَمَا عَلِمْتَ أن النار للعصاة خلقت, إنها لتحرق كُلَّ مَا يُلْقَى فِيهَا, فَيَصْعُبُ عَلَى خَزَنَتِهَا كَثْرَةُ تَلاقِيهَا, التَّوْبَةُ تَحْجُبُ عَنْهَا, وَالدَّمْعَةُ تُطْفِيهَا, قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قَطَرَتْ فِي الأَرْضِ لأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعِيشَتَهُمْ"فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ طَعَامُهُ لا طَعَامٌ لَهُ غَيْرُهُ!

أَسَفًا لأَهْلِ النار قد هَلَكُوا وَشَقُوا, لا يَقْدِرُ الْوَاصِفُ أَنْ يَصِفَ مَا قَدْ لَقُوا, كُلَّمَا عَطِشُوا جِيءَ بِالْحَمِيمِ فَسُقُوا, وَهَذَا جَزَاؤُهُمْ إِذْ خَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ وَفَسَقُوا, قُطِّعُوا وَاللَّهِ بِالْعَذَابِ وَمُزِّقُوا, وَأُفْرِدَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ فَرِيقِهِ وَفُرِّقُوا, فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ قَدْ كُلِّبُوا فِي السَّلاسِلِ وَأُوثِقُوا وَاشْتَدَّ زَفِيرُهُمْ وَتَضَرَّعَ أسيرهم وقلقوا,

وَتَمَنَّوْا أَنْ لَمْ يَكُونُوا وَتَأَسَّفُوا كَيْفَ خُلِقُوا, وندموا إذ أَعْرَضُوا عَنِ النُّصْحِ وَقَدْ صَدَقُوا, فَلا اعْتِذَارُهُمْ يُسْمَعُ, وَلا بُكَاؤُهُمْ يَنْفَعُ وَلا أُعْتِقُوا.

(لَوْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ أَهْلَ الشَّقَا ... فِي النَّارِ قَدْ غُلُّوا وَقَدْ طُوِّقُوا)

(تَقُولُ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ ... فِي لُجَجِ الْمُهْلِ وَقَدْ أُغْرِقُوا)

(قَدْ كُنْتُمْ حُذِّرْتُمْ حَرَّهَا ... لَكِنْ مِنَ النِّيرَانِ لَمْ تَفْرَقُوا)

(وَجِيءَ بِالنِّيرَانِ مَزْمُومَةً ... شِرَارُهَا مِنْ حَوْلِهَا مُحْدِقُ)

(وَقِيلَ لِلنِّيرَانِ أَنْ أَحْرِقِي ... وَقِيلَ لِلْخُزَّانِ أَنْ أَطْبِقُوا)

(وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ فِي جَنَّةٍ ... قَدْ تُوِّجُوا فِيهَا وَقَدْ مُنْطِقُوا)

(تَدَبَّرُوا كَمْ بَيْنَهُمْ إِخْوَتِي ... ثُمَّ أجيلوا فكركم وانتقوا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت