(سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} )
يَا مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمٌ لا شَكَّ فِيهِ وَلا مِرَا, يَقَعُ فِيهِ الْفِرَاقُ وَتَنْفَصِمُ الْعُرَى, تَدَبَّرْ أَمْرَكَ قَبْلَ أَنْ تُحْضَرَ فَتَرَى, وَانْظُرْ لِنَفْسِكَ نَظَرَ مَنْ قَدَّ فَهِمَ مَا جَرَى, قَبْلَ أَنْ يَغْضَبَ الْحَاكِمُ وَالْحَاكِمُ رَبُّ الْوَرَى, {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} .
يَوْمَ تَشِيبُ فِيهِ الأَطْفَالُ, يَوْمَ تَسِيرُ فِيهِ الجبال, يوم تظهر فِيهِ الْوَبَالُ, يَوْمَ تَنْطِقُ فِيهِ الأَعْضَاءُ بِالْخِصَالِ, يَوْمَ لا تُقَالُ فِيهِ الأَعْثَارُ, وَكَمْ مِنْ أَعْذَارٍ تُقَالُ فَتَرَى مَنْ قَدِ افْتَرَى, يُقَدِّمُ قَدَمًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} .
فَيُنْصَبُ الصِّرَاطُ فَنَاجٍ وَوَاقِعٌ, وَيُوضَعُ الْمِيزَانُ فَتَكْثُرُ الْفَظَائِعُ, وَتُنْشَرُ الْكُتُبُ وَتَسِيلُ الْمَدَامِعُ, وَتَظْهَرُ الْقَبَائِحُ بَيْنَ تِلْكَ الْمَجَامِعِ, وَيُؤْلِمُ الْعِقَابُ وَتُمْلَى الْمَسَامِعُ, وَيَخْسَرُ الْعَاصِي وَيَرْبَحُ الطَّائِعُ, فَكَمْ غَنِيٍّ قَدْ عَادَ مِنَ الْخَيْرِ مُفْتَقِرًا {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} .
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ, أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ, حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ, حَدَّثَنَا عبيد الله ابن أَحْمَدَ, حَدَّثَنِي أَبِي, حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ, حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"يوم يقوم الناس لرب العالمين"يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ خَيْثَمَةَ, عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ, فَيَنْظُرُ عَنْ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ وَيَنْظُرُ عَنْ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ, وَيَنْظُرُ أَمَامَهُ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ, فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ ثَمَرَةٍ فَلْيَفْعَلْ".
هَذَانِ الْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
رَوَى عُتْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يَا لَهُ مِنْ يَوْمٍ يُقْتَصُّ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ, وَتُحِيطُ بِالظَّالِمِ الْمَظَالِمُ, وَتَصْعَدُ الْقُلُوبُ إِلَى الْغَلاصِمِ, وَلَيْسَ لِمَنْ لا يَرْحَمُهُ الإِلَهُ عَاصِمٌ.
قَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ, مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا, حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ".
(كَمْ مِنْ وَعِيدٍ يَخْرِقُ الآذَانَا ... كَأَنَّمَا يُعْنَى بِهِ سِوَانَا)
(أَصَمَّنَا الإِهْمَالُ بَلْ أَعْمَانَا ... )
يَا كَثِيرَ السَّيِّئَاتِ غَدًا تَرَى عَمَلَكَ, يَا هَاتِكَ الْحُرُمَاتِ, إِلَى مَتَى تُدِيمُ زَلَلَكَ.
(تَيَقَّظْ فَإِنَّكَ فِي غَفْلَةٍ ... يُمِيدُ بِكَ السُّكْرُ فِيمَنْ يُمِيدُ)
(وَأَيُّ مَنِيعٍ يَفُوتُ الْبِلَى ... إِذَا كَانَ يَبْلَى الصَّفَا وَالْحَدِيدُ)
(إِذَا الْمَوْتُ دَبَّتْ لَهُ حِيلَةٌ ... فتلك التي كنت منها تَحِيدُ)
(أَرَاكَ تُؤَمِّلُ وَالشَّيْبُ قَدْ ... أَتَاكَ بِنَعْيِكَ مِنْهُ بَرِيدُ)
(وَتَنْقُصُ فِي كُلِّ تَنْفِيسَةٍ ... وَعِنْدَكَ أَنَّكَ فِيهَا تَزِيدُ)
أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ يَسْعَى فِي تَبْدِيدِ شَمْلِكَ, أَما تَخَافُ أَنْ تُؤْخَذَ عَلَى قَبِيحِ فِعْلِكَ, وَاعَجَبًا لَكَ مِنْ رَاحِلٍ تَرَكْتَ الزَّادَ فِي غَيْرِ رَحْلِكَ, أَيْنَ فِطْنَتُكَ وَيَقَظَتُكَ وَتَدْبِيرُ عَقْلِكَ, أَمَا بَارَزْتَ بِالْقَبِيحِ فَأَيْنَ الْحُزْنُ, أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحَقَّ يَعْلَمُ السِّرَّ وَالْعَلَنَ, سَتَعْرِفُ خَبَرَكَ يَوْمَ تَرْحَلُ عَنِ الْوَطَنِ, وَسَتَنْتَبِهُ مِنْ رُقَادِكَ وَيَزُولُ هَذَا الْوَسَنُ.
(إِلَى اللَّهِ تُبْ قَبْلَ انْقِضَاءٍ مِنَ الْعُمْرِ ... أَخِي وَلا تَأْمَنْ مُسَاوَرَةَ الدَّهْرِ)
(فَقَدْ حَدَّثَتْكَ الْحَادِثَاتُ نُزُولَهَا ... وَنَادَتْكَ إِلا أَنَّ سَمْعَكَ ذُو وَقْرِ)
(تَنُوحُ وَتَبْكِي لِلأَحِبَّةِ إِنْ مَضَوْا ... وَنَفْسَكَ لا تَبْكِي وَأَنْتَ عَلَى الإِثْرِ)