وفي اصطلاح العلماء رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه ، ومنه يعلم أنه كما أن شريعة موسى عليه السلام نسخت الشرائع المتقدمة عليها كأنه قامت مقامها ، وكما أن إنجيل عيسى عليه السلام عدل شيئا من أحكام التوراة بدليل قوله تعالى فِي الآية 50 من آل عمران الآتية"وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"فكان القسم المعدل بفتح الدال من التوراة منسوخا بالمعدّل بكسر الدال من الإنجيل ، أما الزبور المنزل بينهما إذ لا يوجد فيه أحكام ولا حدود فلم يتعرض له ، لأن مصلحة البشر المحتاجة للتعديل بحسب الزمان ، والحاجة تتعلق بالأحكام والحدود فقط ، أما الأدعية والاستغاثات الواردة فِي الزبور وغيره من الكتب والصحف القديمة فلا علاقة لها فِي هذا البحث.
فكذلك القرآن العظيم عدل جميع الشرائع المتقدمة عليه فكل حكم مناف لما فيه فهو منسوخ به ، وما لا فهو باق على حكمه لموافقته أحكام القرآن ، والسبب فِي ذلك أنه هو الكتاب الإلهي الأخير الذي جاء صالحا لأمور الدنيا والدين إلى آخر الزمان ، ولأن مشروعية النسخ إنما تكون للحاجة والمصلحة ، فقد كان فِي عهد آدم عليه السلام مساغ لأن يتزوج الأخ أخته لاقتضاء
المصلحة وكثرة التناسل وحاجة الزوج للزوجة وبالعكس ، فلما تكاثر النسل وصاروا فِي غنى عن ذلك حرمت الأخت ، وأبيحت ابنة العم والخال وما بعدها ، وكان فِي عهد نوح عليه السلام مساغ لأكل جميع الحيوانات ، ثم اقتضت المصلحة بتحريم بعضها لما فيه من الضرر لوجود الإنسان ، وبعضها لما فيه الحاجة للإنسان ، وفي
الأيام أيضا فقد حرم السبت على بني إسرائيل إلى زمن عيسى ، فأبيح وحرم الأحد إلى مبعث محمد فأبيح وخصّت الجمعة بالتفضيل على غيرها ، ولم يحرم العمل فيها إلا وقت الصلاة ، وسيأتي لهذا البحث صلة فِي الآية 10 من سورة الجمعة الآتية.