وقيل إن اليهود هم القائلون لهذا القول لا المشركون ، لأن حضرة الرسول فِي بداية أمره كان يتعبد على ما ألهمه اللّه من شريعة جده إبراهيم عليه السلام والأنبياء بعده ، فكلما نزل عليه مما هو معدل لشريعة من قبله يفعله ويترك ما كان يفعله قبلا ، ويأمر أصحابه بفعله ويخبرهم بأمر
اللّه به ، لأن شريعته جاءت خاتمة للشرائع كلها ناسخة لما قبلها ، فبين اللّه تعالى فِي هذه الآية حكمة النسخ ، وأنه من عنده لا من عند محمد قطعا كما تكلم به اليهود أو المشركون.
ونزولها فِي اليهود أولى ، لأن هذه الآية مدنية ، والغالب على سكانها اليهود ، وهم الذين يجادلون حضرة الرسول بما نزل إليه من ربه مخالف لكتابهم ، وإن ما نزل فِي المشركين هو آية الأنعام المذكورة آنفا رد لقولهم"لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ".
واعلم أن النسخ فِي اللغة النقل والتحويل ، ومنه نسخ الكتاب بأن ينقل من كتاب لآخر ، وهذا لا يقضي بإزالة الصورة الأولى بل بإثبات مثله فِي كتاب آخر ، فعلى هذا يكون القرآن كله منسوخا ، لأنه نسخ من اللوح المحفوظ وأنزل إلى سماء الدنيا جملة واحدة ، وهذا ليس مرادا هنا.
وقد يكون النسخ بمعنى الرفع والإزالة ، وهو إزالة شيء بشيء يعقبه ، كنسخ الشمس للظل ، والشبب للشباب ، وعلى هذا يكون بعض القرآن منسوخا وبعضه ناسخا ، أي إزالة حكم بحكم آخر.