وهذا بيان بأن توبتهم لا تقبل إلا بالقتل ، وليس القتل هنا تفسيرا للتوبة ، لأن التوبة عبارة عن الندم على الفعل والعزم على عدم العودة عليه ، ولكن اللّه تعالى أوحى إن موسى عليه السلام أن توبة المرتد قتله ، ولذلك قضى عليهم بالقتل ، ولما وقع فِي قلوبهم ما هددهم به موسى من الخلود بالنار فِي الآخرة وتيقفوا ان قوله حق لما عرفوا منه ، وأنهم لا بد ميتون ، اختاروا قتل أنفسهم حذرا من عذاب اللّه ، فقالوا نسلم لأمرة إلى اللّه ، ونصبر على القتل ، وجلسوا مختبين (الاحتباء ضم الساقين إلى البطن بثوب) وقيل لهم من حل حبوته أو اتقى بيديه أو بشيء آخر أو نظر لقاتله فهو ملعون ، فصار الابن يقتل أباه ، والأب ابنه ، والأخ أخاه ، والزوج زوجته ، والزوجة زوجها ، وقد أظلهم اللّه بسحابة حتى لا ترق قلوب بعضهم على بعض ، وصار موسى وهرون يبكيان ، ويتضرعان إلى ربهما ، ويقولان يا ربنا (البقا البقا) أي اعف عن البقية ، فأجاب اللّه دعاءهم وكشف عنهم السحابة وأمرهم بالكف عن القتل ، فتفقد موسى وهرون القتلى فوجداهما سبعين ألفا ، فحزنا عليهم ، فأوحى اللّه تعالى
إلى موسى ألم ترض أن أدخل القاتل والمقتول الجنة ، ومن بقي مكفرا عنه ؟
قال بلى يا رب ، فأخبر قومه وأمر بدفن الموتى ، وقال للباقين"فتاب عليكم"ربكم بامتثالكم أمره"إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 54"بالعفو عن الباقين وإدخال القاتل والمقتول الجنة.
قال تعالى"وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً"علانية مثل ما نراك وترانا ، وذلك أن اللّه تعالى أمر موسى أن يأتي بأناس من بني إسرائيل يعتذرون عن عبادة العجل من الذين لم يعبدوه ولم ينهوا العابدين له عن عبادته.