فاختار سبعين رجلا من خيارهم وأمرهم بالصوم والطهارة ، وخرج معهم إلى طور سيناء ، وهذا الميقات الثاني ، فلما وصلوا قالوا لموسى أسمعنا كلام اللّه ، فقال لهم أدنوا مني ، فدخل الغمام ، ودخلوا وراءه فسجدوا وسمعوه يكلم ربه وسمعوا كلام اللّه جل شأنه يقول له أنا اللّه ذو بكة لا إله إلّا أنا ، أخرجتكم من مصر بيد شديدة ، فاعبدوني لا تعبدوا غيري ، ثم قالوا يا موسى أما وقد أسمعتنا صوته فأرناه عيانا ، فإنا لا نؤمن لك حتى نشاهده عيانا"فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ"حال مقالتكم هذه لجرأتكم على ربكم بطلب رؤيته ، والصاعقة صوت صيحة عظيمة هائلة راجع الآية 19 المارة"وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ 55"كيف متّم بسببها.
ولا دلالة فِي هذه الآية على عدم استحالة جواز الرؤية فِي الآخرة ، لأن بني إسرائيل عوقبوا بسؤالها وكان عقابهم بعدم إيمانهم بقول رسولهم بعد ظهور معجزته ، ولأن سؤالهم كان تعنتا وعنادا ، فلما رأى موسى ما حلّ بهم صار يبكي ويتضرع إلى اللّه ويقول يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم ، فلو شئت أهلكتهم وإياي قبل أن نأتيك ، أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ ولم يزل يتضرع حتى أحياهم اللّه تعالى كما أماتهم وهم ينظرون بعضهم إلى بعض كيف يحيون ، كما نظر بعضهم إلى بعض كيف يموتون ، وذلك قوله تعالى"ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 56"نعمة الإحياء بعد الموت زيادة على النعم الأولى.
وتقدم بحث هذا الميقات الثاني فِي الآية 155 من سورة الأعراف ج 1 بأوضح من هذا ، فراجعه.
مطلب فِي التيه والمنّ والسلوى ومخالفتهم أمر اللّه ثانيا:
قال تعالى"وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ"فِي التيه ليقيكم من حر الشمس ، إذ ليس لديكم ما تستظلون فيه رأفة بكم"وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى"غذاء وفاكهة لكم ، إذ ليس لديكم ما تأكلون رحمة بكم.