لأن الذي يريد أن يعيش عيشة طيبة توصله إلى الراحة الدائمة فِي الآخرة ، عليه أن يقضي حياته مع المتقين كي يكون حي القلب دائم اليقظة بعيدا عن الغفلة ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم فِي الحديث الذي رواه أبو هريرة (التقوى هاهنا) يشير إلى صدره الشريف مكررا لفظها ثلاثا لأنه محل القلب الذي هو بمنزلة الملك للجسد ، فإذا صلح صلح كله ، وإذا فسد فسد كله ، كما جاء فِي الحديث الآخر الصحيح أيضا ، وذلك لأن التقرى تورث خشية اللّه ، وخشية اللّه تمنع صاحبها من كل سوء ، قالوا أمر الرشيد بحبس رجل ثمّ سأل السجان عنه فقال إنه كثير الصلاة والدعاء فِي سجنه ، فقال خله يسألني إطلاقه ، فعرض له بذلك ، فقال قل لأسير المؤمنين كل يوم يفي من نعمته ينقضي من محنتي ، والأمر قريب ، والوعد الصراط ، والحاكم هو اللّه.
فلما بلغه الرشيد ذلك خرّ مغشيا عليه ، ولما أفاق أمر بإطلاقه.
لهذا على العاقل أن يخشى اللّه فيما يقول ويفعل ويعمل بالتقوى ، وقال الغزالي: التقوى كنز عظيم فإن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر ورزق كريم وملك عظيم ، لأن خيرات الدنيا والآخرة جمعت فيها.
ومن علامة التحقق بالنقرى أن يأتي المتقي رزقه من حيث لا يشعر ، ومن جهة لا تخطر بباله ، لأن من يتقي اللّه يقف عند حدوده ويجتنب معاصيه ، فيخرجه من طرق الحرام إلى الحلال ، ومن الضيق إلى السعة ، ومن النار إلى الجنة ، ويرزقه من حيث لا يرجوه.
وقال ابن عباس:
يخرج اللّه المتقي من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة.
راجع الآية الثانية من سورة الطلاق الآتية.
وعنه أيضا قال من اتقى اللّه وقاه كل شيء ، أي حفظه مما يخافه ، وقال داود بن نصر الطائي: ما خرج عبد من ذل
المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه اللّه تعالى بلا مال ، وأعزه بلا عشيرة ، وآنسه بلا أنيس.
وقال ابن الوردي:
واتق اللّه فتقوى اللّه ما جادرت قلب امرئ إلا وصل