وقد قلتم سابقًا أنه لا يجوز دعاء الصفة لأنها ليست هي عين الموصوف أو ليس الحلف والدعاء بابها واحد فلم أجزتم الحلف بالصفة ولم تجيزوا دعائها؟
قلنا وبالله التوفيق: هذا سؤال دقيق ومهم وجوابه: هو معرفة الفرق بين باب الدعاء وباب الحلف، فإن باب الدعاء مبناه على الافتقار والمذلة التي تقوم بالداعي وأنه لا يدعو إلا من يقدر على الإجابة، الذي يملك الضر والنفع، وهذا لا يملكه إلا الله تعالى فلا يفتقر إلا إليه ولا يملك النفع والضر إلا هو سبحانه وتعالى، فمن هذا الباب لم يجز الدعاء إلا لله تعالى فصفاته لا تملك ضرًا ولا نفعًا لأن الصفة ليست هي عين الموصوف. وأما باب الحلف فمبناه على التعظيم فلا تحلف إلا بمعظم والله وصفاته كلها عظيمة فمن هذا الباب جاز الحلف بالصفة والله سبحانه وتعالى عظيم في ذاته عظيم في صفاته عظيم في أفعاله هذا الجواب الأول. ويقال ثانيًا: أنه قد ثبت في السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلف ببعض الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل ولا المقتول في أي شيء قتل ) )والأحاديث في ذلك كثيرة لكن لم يرد قط أنه دعا صفة من الصفات وباب العبادة باب مبناه على الحظر والتوقيف، والله تعالى أعلى وأعلم.
القاعدة الثامنة والعشرون
الأصل في العبادات الحظر والتوقيف
لقد شرحنا هذه القاعدة في غير هذا الموضع شرحًا مفصلًا لكن نذكر هنا جملًا نافعة - إن شاء الله تعالى -، فأقول:
إن معرفة الأصل في الأشياء من أهم ما ينفع طالب العلم في بحثه وفتاواه، فإنه إذا عرف الأصل، ثبت عليه ولا يتعداه إلا بدليل ناقل عنه، فمن ذلك: أن الأصل في الأشياء الحل والإباحة، والأصل في الميتات الحرمة، والأصل في الفروج التحريم، والأصل أن اليقين لا يزول بالشك، ومن ذلك - ما نحن