بصدده: أن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف إلا بدليل شرعي، وذلك لأن أحدًا لا يعرف ما يجوز التعبد به لله ومالا يجوز؛ لأن العقول لا تستقل بإدراك الشرع، وإلا لما احتجنا إلى إرسال الرسل، وإنزال الكتب، لكن لضعف العقل عن إدراك الشرع بعث الله الرسل وأنزل الكتب، حتى تبين للناس ما يجب عليهم من العبادات أصولًا وفروعًا، فما وجدنا فيها من العبادات تعبدنا بها، ومالا فلا.
وليس الدليل على نافي العبادة إذا لم يثبت لها دليل شرعي، ولكن الدليل على المثبت لها؛ وذلك لأن الدليل على الناقل عن الأصل، لا على المثبت عليه، فإذا ادعى أحد أن هذا الشيء عبادة فنحن نطالبه بالدليل، فإن أتى به قبلنا وتعبدنا، وإن لم يأت به فلا، وهذا هو مذهب السلف - رضي الله عنهم -، فالعبادات مبناها على الشرع لا العقل، بخلاف من جعل العبادة مبناها على ما تنتجه عقولهم الفاسدة، كالصوفية الذين يتعبدون إلى الله تعالى بأذواقهم العفنة، وكالمعتزلة الذين يوجبون ويحرمون بعقولهم المنتنة، وغيرهم من الطوائف من الذين تركوا عباداتٍ دلَّ الدليل عليها، وأمر بها الشارع، إما أمر إيجاب أو ندب، بل ويحاربونها أشد المحاربة، ثم تراهم يقومون بعبادات لا خطام لها ولا زمام.
فإن فتح الباب للعقل في هذا المقام إقحام للعقل في غير موضعه، فالحكم لله، كما قال تعالى: {إن الحكم إلا لله} وهذا هو توحيد الحاكمية، أي لا حاكم شرعًا وقدرًا إلا الله. فالحلال ما أحل الله تعالى، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفو، والأدلة على ذلك كثيرة، ذكرناها في شرح القواعد الفقهية.
واعلم أن هذا هو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، فماذا بعد الحق والسنة إلا الباطل والبدعة، والبدع في الشرع كلها ضلال وفي النار. فالواجب الوقوف عند الدليل، هذا هو النجاة، والله غني عن العالمين، والكلام عن