دونما خوفٍ أو حرج، لكن يتورع أن يحلف بوليه المزعوم كاذبًا بل وليه أعلى وأجل من أن يحلف به كاذبًا وهذا هو عين الكفر والشرك - والعياذ بالله تعالى -. قال الناظم في نونيته:
لا تحلفن بغير ربك واقتصد ... عود لسانك قلة الأيمان
فلا يجوز عقد اليمين إلا بالله أو بصفة من صفاته، كقولك: (ويد الله وعين الله وكلام الله، وهكذا) .
ولذلك اختلف العلماء في الحلف بالمصحف على قولين: فقيل: لا، وقيل: نعم، والذي عليه المحققون أن الحلف بالمصحف لا يخلو من حالتين: إما أن يكون قصد الحالف أوراقه وجلدته وحبره فهذا كله مخلوق لا يجوز الحلف به وإما أن ينوي الكلام الذي فيه فإنه كلام الله فهذا لا بأس به لأن كلام الله صفة من صفاته، وأنت تسمع كثيرًا بعض الناس يقول: والكعبة وبيت الله، ورسول الله، فهذا كله لا يجوز؛ لأنها مخلوقة بخلاف قولك: ورب البيت ورب الكعبة فهذا جائز لأنه حلف بالله تعالى. وقولك: (والذي نفسي بيده) جائز؛ لأن الذي بيده الأنفس هو الله تعالى، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحلف به كثيرًا.
وأما قول الله تعالى: {والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها} وقوله: {والفجر} وقوله: {والضحى} فهذا حلف بالمخلوقات لكنه صادر من الله جل جلاله والقاعدة تقول: الله يحلف بما شاء من مخلوقات وهذا الحلف من الله تعالى يدل على عظمة المحلوف به. لكن البشر لا يحلفون إلا بالله تعالى أو صفة من صفاته فإذا قلت: أليست الصفة غير الموصوف، لا أعني بهذا الكلام أن الصفة لا تفيد معنى زائدًا على الذات أو أنها منفصلة عن الموصوف بل أعني أنها متصلة به ولكنها تفيد معنى زائدًا عنه فذواتنا شيء وصفاتنا شيء، فكيف يجوز الحلف بالصفة مع أنها ليست هي الموصوف؟