فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 182

هؤلاء ينسبون أن رابعة بهذا السحر الصوفي الفاتن تستشرف عزة الألوهية!

وتفتري لنفسها الشائنة مقامًا يسمو عن مقام الرسل الذين جعل الله من صفاتهم أن يدعونه: رغبًا ورهبًا، أو خوفًا وطمعًا، يقول الله عن زكريا وآله: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [21: 9] ، ثم تأمل هذه الآيات التي تنجيك من سحر رابعة: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [7: 154] ، وصف الله من يدعونه خوفًا وطمعًا بأنهم محسنون، والإحسان أسمى مراتب العبادة، وأكمل مقامات العبودية، والعبودية هي غاية الحب، مع غاية التذلل، فما الحب الذي تطفح به مشاعر رابعة؟!

{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 15، 16] .

إن من أخص خصائص البشرية أنها ترغب وترهب، حتى بشرية الأنبياء والرسل، ترهب وهي أسمى مقاماتها، ومن أصدق الدلائل على الحب المسيطر القاهر، أن يمتلئ القلب رغبة في المحبوب ورهبة منه، رغبة في رضاه، ورهبة من غضبه [1] أو جفاة، فإذا لم تكن ثم رغبة في نواله، فقد سنته، وإذا لم تكن ثم رهبة من عقابه فقد احتقرته، وكلما تسامى الحب، وقيت الرغبة في نوال المحبوب، واشتدت الرهبة من حرمانه، الرغبة والرهبة جناحا الحب اللذان يحلق بهما فوق الذرى، فإذا تجردت منهما كان حبك كاذبًا، لا يقهر منك شعورًا، ولا يوجه إرادة.

ولكن رابعة تزعم أنها تجردت من تلك البشرية الطهور، بشرية القديسين، بشرية أولي العزم من الرسل، فماذا وراء هذا الزعم؟ وراءه أنها في قمتها العليا لا تدنو منها مكانة المصطفين الأخيار من أنبياء الله، وراءه أنها ليست بشرًا، بل إلهًا، فالملائكة أنفسهم يرغبون، ويرهبون! وراءه اتهام صريح لمن نزل القرآن - وتعالى الله عن إفك رابعة - بأنه أخطأ حين أمرنا أن ندعوه خوفًا وطمعًا، وداجى حين رغبنا في الجنة، وخوفنا من النار.

دعواها التجرد شعور منها - وما أخبث هذا الشعور وأكذبه - بأنها ساوت من تحب!! ثم من رابعة هذه! أليست هي التي تقول عن الكعبة: «هذا الصنم المعبود في الأرض» [2] ؟

ثم اقرأ هذه الآية: {وَضَرَبَ الله مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [66: 11] ، هذه القديسة العظيمة التي طيب الله ذكرها، وخلده في كتابه، وضربها مثلًا للذين آمنوا، إنها تضرع إلى الله، ليبني لها بيتًا في الجنة، أما رابعة التي لا تزن في القيمة خاطرة من امرأة فرعون، فتستعلي أن

(1) وجزاء رضوان الله في الآخرة الجنة، وجزاء غضبه فيها النار، فإذا لم ترغب في جنته فأنت غير راغب في رضاه، وإذا لم ترهب ناره، فأنت لا ترهب غضبه، وإذا لم ترغب الرضا، وترهب الغضب، فأنت دعي حب كذوب.

(2) ص 38 وما بعدها كتاب «شهيدة العشق الإلهي» دكتور بدوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت