فيها وشى السحر الشاعر وفتنته، وبدعاوى فيها روحانية الحق وروعته، ثم يقول: أو من يقولون هذا، نفتري عليهم أنهم غير مسلمين؟!
لهؤلاء الذين خلبهم عشق الصوفية أقول: ما من كهان نحلة ضالة، أو أحبار دين زائف، إلا وناجوا معبودهم، ودعوه بما يخيل إليك من سحره أنه ضراعة نبوة في فجر الوحى، فهل نعدهم مسلمين بتلك النجاوى، وهذه الأدعية؟!
سلوهم قبل الفتنة: لمن هذه النجوى؟ ولمن تضرعون بهذا الدعاء؟ سلوهم عن صفات معبودهم، وأسمائه الحسنى، وعن شرعته التي كلفهم بها، وهناك حين يجيبونكم، توقنون أنهم لا يناجون الله، ولا يدعونه، وإنما يفعلون ذلك لآلهة أخرى ابتدعوها؛ لتعبد من دون الله!
ويذكرنا هؤلاء المسحورون بدعاوى الصوفية؛ إذ يفترون: «كلامنا هذا مقيد بالكتاب والسنة» ، وكذلك زعمت كل فرقة نجمت في الجماعة الإسلامية؛ لتجد لها أنصارًا وأعوانًا من الأغرار الذين يخدعهم زيف القول الحلو عن رياء العمل المر! قالتها الشيعة التي تؤله أئمتها، وقالتها المعطلة، وقالتها المجسمة وتقولها القاديانية والبهائية! وقد نقلت لك عن النابلسي - وهو صوفي كبير - دعواه أن وحدة الوجود مستمدة من الكتاب والسنة!
إنك لا تستطيع أن تمنع إنسانًا من أن يدعي ما يشاء، ولكن الذي تستطيعه هو أن تبتلي دعواه، وتزنها بميزان الحق من الكتاب والسنة الصحيحة، وثمت تستطيع أن تحكم عليه عن بينة بالصدق، أو الكذب فيما ادعاه، وقد ابتليت معتقدات الصوفية وأربابها وآلهتها، فهل ترى لها أثارة من نسب إلى شرع أو عقل؟
لقد جحدت الصوفية الحقيقة الأولى، تلك التي يقررها الشرع، ويحكم بها العقل، وهي أن الله سبحانه وتعالى مغاير لخلقه في ذاته وصفاته وأفعاله، فكيف تحكم عليها بأنها تؤمن بما يترتب على تلك الحقيقة العليا من حقائق مقدسة؟ ليس المهم أن تقول، بل الأهم أن تعمل بما تقول، فهل يعمل الصوفية بالكتاب والسنة، كما ينافق بعض زعمائهم؟ و!! ومما يجادلنا به عشاق السحر الصوفي قول ابن الفارض:
وإن خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري يومًا حكمت بردتي
وعلى ما في هذا البيت من غلو الإسراف في دعوى التجرد [1] ، وحقارة الكذب، ومما يجادلنا به هؤلاء أيضًا قول رابعة «ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، وإنما عبدتك لذاتك» . ثم يهتفون لرابعة شهيدة العشق الإلهي! رابعة التي تزعم أنها تجردت من كل رغبة، أو رهبة، أو طمع، أو خوف.
(1) للإرادة الإنسانية مجال فساح من الخير الذاتي، كإرادة الزواج، وكسب العيش، وإرادة التمتع الروحي بما أبدع الله من جمال في جنات الأرض، وما على من يريد ذلك جناح من الله ذي الرحمة. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» ، وهل الحب إلا إرادة مصممة قاهرة؟ فهل أشرك محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أراد ذلك؟