فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 182

وإن الأمثلة على ذلك كثيرة؛ خاصة ما كانت الأمم السابقة تعتقده من ديانات أهمها ما كان في مصر القديمة، وسومر وبابل، وبلاد اليونان، وما نتج عن تلك العقائد الفاسدة من تعدد الآلهة، وتقديم القرابين لها من مال وطعام وأزواج، وكيف أثرى الكهنة من سدانة هذه الآلهة الباطلة، وصاروا أكثر الطبقات مالًا وأعظمها قوة.

وقد خلص رحمه الله في الحديث عن عبادة الموتى، إلى أن الأمم السابقة قد اتخذت لها مع الله آلهة أخرى كثيرة، وما كانت هذه الآلهة سوى الأولياء والصالحين، وأنه كان لكل إله من الآلهة أسطورة، أي قصة متصلة به تشرح سبب وجوده في حياة المدينة، أو تفسر الطقوس التي تقام تكريمًا له.

عبادة الموتى:

«كانت الموتى - في اعتقادهم - كائنات مقدسة، وقد خلع القدماء عليهم ما كانوا يجدونه أكثر الألقاب احترامًا، وكانوا يسمونهم الطيبين والقديسين والسعداء، وكانوا يكنون لهم كل التبجيل الذي يستطيع الإنسان أن يكنه للمعبود الذي يحبه، ويخشاه، فكل ميت في فكرهم إله، وإنا لنجد عبادة الموتى هذه عند الإغريق وعند اللاتنيين، والأتروسك كما نجدها أيضًا عند الآريا القاطنين في الهند، وكان الهندي كالإغريقي يعتبر الموتى كائنات إلهية تتمتع بوجود سعيد، بيد أنه كان هناك شرط لسعادتهم، وهو أن تحمل الأحياء القرابين بانتظام، فإذا ما انقطع حمل السر إذًا لميت، فإن روح هذا الميت تخرج من مسكنها الهادي، وتصبح روحًا هائمة على وجهها تعذب الأحياء، فإنه إذا كانت أرواح الأسلاف آلهة فإنما يكون ذلك على قدر ما يكرمها به الأحياء من عبادة» .

كانت للإغريق والرومان نفس العقائد بالضبط، فإذا انقطع تقديم الفداء الجنائزي للموتى، فإن الموتى يخرجون فورًا من قبورهم أشباحًا هائمة يسمعها الناس متأوهة في الليل الساكن، وهي تلوم الأحياء على إهمالهم الآثم، وتحاول أن تعاقبهم، فترسل عليهم الأمراض، أو تصيب الأرض بالجدب، إذا كان الميت الذي يهملونه كائنًا شريرًا، فإن الميت الذي يكرمونه إله واحد يحب الذين يحضرون له الفداء، وفي سبيل حمايتهم يستمر على المشاركة في شئون الإنسان، وكثيرًا ما يقوم فيها بدور خاص، ومع أنه ميت، فإنه يعرف كيف يكون قويًا ونشيطًا، فكانوا يرجونه، ويلتمسون تأبيده وعطفه، وعندما يجد أحدهم في طريقه قبرًا كان يقف، ويقول: أنت الذي هو إله تحت الأرض، عطوفًا عليَّ.

ويمكن أن نحكم على السلطان الذي كان يعزوه الأقدمون للموتى من هذا الدعاء الذي وجهته إليكترا إلى روح والدها: «كن رحيمًا بي، وبأخي أوريستيس، دعه يعد إلى هذه البلاد، اسمع دعائي يا أبتي، تقبل رجائي، وأنت تتلقى ما أقدمه من السوائل المهراقة» . ولا تفتقر هذه الآلهة القوية على منح المنافع المادية، إذ أن إلكترا تضيف: «وهب لي قلبًا أعف من قلب أمي، ويدين أطهر من يديها، ويبدو أن ديانة الموتى هذه هي أقدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت