فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 182

وصف محمد صلى الله عليه وسلم في أعظم مقام وأجل حال، فما بالك بغيره؟ والله يقول عن عيسى في أعظم مقام وحال له: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [43: 59] .

وعيسى عليه السلام نفسه في أجل مقاماته يقول كما قص الله عنه: {إِنِّي عَبْدُ الله آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [19: 30] ، والله يقول عن داود: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [38: 44] ، ويقول عن المسيح والملائكة: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [4: 172] ، ويقول عن نوح: {ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا} ، وتأمل الوصوف بالعبودية لنوح في هذه الآية: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا} [54: 9] .

إن جمال الوصف وجلال التوكيد لهذا الوصف يتذوقهما من تمرس بفهم القرآن وأدب لغته، ويقول عن زكريا: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [19: 2] ، ويقول عن زوجتي نوح ولوط: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} [66: 10] ، ويقول عن إبراهيم: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [37: 111] ، ويقول عن موسى وهارون: {إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [37: 122] ، ويقول عن إل ياسين: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [37: 132] ، ويقول عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَار} [38: 45] ، ويقول عن الرسل جميعًا: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} [38: 171] ويقول عن خلقه جميعًا: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [19: 93] .

وتقول هذه الآية: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [6: 18] ، فهو فوق العباد بقهره، وتدبر ذكره اسمه القهار هنا؛ لتسجد لجلال الله وقهره، وتؤمن بأنه القهار وحده لكل فرد وشيء من خلقه، رسلهم وأنبيائهم وأوليائهم وملوكهم وأمرائهم، للسماء والأرض، للبحر والبر، للسهل والجبل، للعواصف والأنواء، فسبحان الذي يسجد له من في السماوات والأرض، وما فيهما. ثم تدبر أيضًا الإتيان بالاسمين «الحكيم الخبير» ، ثم تدبر أيضًا الوصف بالقهر في هذه الآية: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى الله مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [6: 61، 62] .

فهل ترى هنا غيرًا له في القهر والحفظ، والإماتة والبعث والحكم والحساب؟ أين الأولياء هنا؟ هم هنا عبادٌ تحت قهر الله وحفظه وحكمه وأمره، لا ترى لأحد حولًا، ولا أمرًا، ولا حكمًا!

الولي في عرف الصوفية [1] :

لقد مر بنا الكثير، ولكني أذكرك ببعض نصوص الصوفية، قال أبو الحسن الشاذلي: «لو كشف عن نور الولي لعبد من دون الله» !!

(1) مجلة الهدي النبوي عدد 5 لسنة 1384 ه ص 45 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت