الطَّبيعة، أهي ذاتٌ قائمةٌ بنفسها لها علمٌ وقدرةٌ على هذه الأفعال العجيبة، أم ليست كذلك، بل عَرَضٌ وصفةٌ قائمةٌ بالمطبوع تابعةٌ له محمولةٌ فيه؟
فإن قالت لك: بل مِنْ ذاتٍ قائمةِ بنفسها، لها العلمُ التَّامُّ والقدرةُ والإرادة والحكمة.
فقل لها: هذا هو الخالقُ البارئُ المصوِّر، فلِمَ تسمِّينه طبيعةً؟ !
*وبالله [1] عن ذكر الطَّبائع يُرْغَبُ [2] *
فهلَّا سمَّيته بما سمَّى به نفسَه على ألسُن رسله، ودخلْت في جملة العقلاء والسُّعداء؛ فإنَّ هذا الذي وصفْت به الطَّبيعةَ صفتُه تعالى.
وإن قالت لك: بل الطَّبيعةُ عَرَضٌ محمولٌ مفتقرٌ إلى حامل، وهذا كلُّه فعلُها بغير علمٍ منها ولا إرادةٍ ولا قدرةٍ ولا شُعورٍ أصلًا، وقد شُوهِد من آثارها ما شُوهِد.
فقل لها: هذا ما لا يصدِّقُه ذو عقلٍ سليم، كيف تصدُر هذه الأفعالُ العجيبةُ والحِكَمُ الدَّقيقةُ التي تعجزُ عقولُ العقلاء [3] عن معرفتها وعن القدرة عليها ممَّن لا فِعل له ولا قدرة ولا حكمة ولا شُعور؟ ! وهل التَّصديقُ
(1) (ح، ن) :"ويالله". ومهملة في (د) .
(2) شطر بيت ينسبُ لزرارة بن أعين، من أبياتٍ يجوِّز فيها القول بالبداء. وصدره:
*وكان كضوءٍ مشرق بطبيعةٍ *
انظر:"اللمع"للشيرازي (29) ، و"الإحكام"للآمدي (3/ 110) ، و"الواضح"لابن عقيل (4/ 199) وغيرها. وفي بعض المصادر:"نرغب"، وفي بعضها:"مرغب". وزيد في الأصول:"فيها"بعد الشطر، ووردت مهملة في (د) .
(3) (ت) :"تعجز العقول".