بمثل هذا إلا دخولٌ في سلْك المجانين والمُبَرسَمين [1] .
ثمَّ قل لها بعدُ: ولو ثبت لكِ ما ادَّعيت فمعلومٌ أنَّ مثل هذه الصفة ليست بخالقةٍ لنفسها ولا مبدعةٍ لذاتها، فمن ربُّها ومبدعُها وخالقُها؟ ! ومن طبَّعها وجعلها تفعل ذلك؟ !
فهي إذن مِنْ أدلِّ الدَّلائل [2] على بارئها وفاطرها، وكمال قدرته وعلمه وحكمته، فلم يُجْدِ عليك تعطيلُك ربَّ العالم وجحدُك لصفاته وأفعاله إلا مخالفتك لموجَب العقل والفطرة [3] .
ولو حاكمناك إلى الطَّبيعة لأريناك أنك خارجٌ عن مُوجَبها، فلا أنت مع مُوجَب العقل، ولا الفطرة، ولا الطبيعة، ولا الإنسانية أصلًا، وكفى بذلك جهلًا وضلالًا.
فإن رجعتَ إلى العقل، وقلتَ: لا يوجدُ حكمةٌ إلا من حكيمٍ قادرٍ عليم، ولا تدبيرٌ متقنٌ محكَمٌ إلا من صانعٍ قادرٍ مختارٍ مدبِّر، عليمٍ بما يريد [4] ، قادرٍ عليه، لا يُعْجِزُه ولا يَصْعُبُ عليه ولا يؤودُه.
قيل لك: فقد أقررتَ - ويحكَ - بالخلَّاق العظيم الذي لا إله غيره ولا ربَّ سواه، فدَع تسميتَه طبيعةً أو عقلًا فعَّالًا أو مُوجِبًا بذاته، وقل: هذا هو الله
(1) البِرْسام (بكسر الباء وفتحها) : علَّة يهذى فيها. فارسية معرَّبة. انظر:"المعرب"للجواليقي (93) ، و"قصد السبيل" (1/ 270) .
(2) (ق، د، ت) :"من أدل الدليل".
(3) (ح، ن) :"مخالفتك العقل والفطرة".
(4) (ت) :"يدبره". (ن) :"يدبر".