الجمع بينهما فإن من الأصحاب من اختار الجمع بينهما وقد يكون مستنده جمع الروايتين وأنكر الشيخ رحمه الله ذلك وقال لم يبلغني فيه حديث مسند ثابت بالجمع بينهما ولا يصح أن يجمع بين الروايتين لأنه كان يقول هذا تارة وهذا تارة فأحد اللفظين بدل عن الآخر ولا يصح الجمع بين البدل والمبدل كذا قال , وقد ثبت في صحيح البخاري الجمع بينهما من حديث كعب بن عجرة وأخرجه النسائي من حديث كعب أيضا ومن حديث أبي طلحة [1] [2] .
وكذلك سلك هذا المسلك في هذه القاعدة غير واحد من الأئمة المتأخرين كسماحة الإمام: عبدالزيز بن باز والعلامة: محمد ناصر الدين الألباني والشيخ: محمد بن عثيمين - رحمهم الله تعالى - وغيرهم كثير [3] .
وهذه القاعدة وهي العمل بما ورد على وجوه متعددة بكل هذه الوجوه على وجه التخيير بينها هذه تارة وهذه تارة، لها عدة فوائد منها:
أحدها:
أن هذا هو اتباع السنة والشريعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان قد فعل هذا تارة وهذا تارة ولم يداوم على أحدهما كان موافقته في ذلك هو التأسي والاتباع المشروع وهو أن يفعل ما فعل على الوجه الذي فعل لأنه فعله.
الثاني:
أن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها وزوال كثرة التفرق والاختلاف والأهواء بينها وهذه مصلحة عظيمة ودفع مفسدة عظيمة ندب الكتاب والسنة إلى جلب هذه ودرء هذه قال الله تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا] [4] وَقَالَ تَعَالَى: [وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ] [5] ، وَقَالَ تَعَالَى: [إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] [6] .
الثالث:
أن ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يشبه بالواجب فإن المداومة على المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب ولهذا أكثر هؤلاء المداومين على بعض الأنواع الجائزة أو المستحبة لو انتقل عنه لنفر عنه قلبه وقلب غيره أكثر مما ينفر عن ترك كثير من الواجبات ; لأجل العادة التي جعلت الجائز كالواجب.
الرابع:
أن في ذلك تحصيل مصلحة كل واحد من تلك الأنواع فإن كل نوع لا بد له من خاصة وإن كان مرجوحا فكيف إذا كان مساويا وقد قدمنا أن المرجوح يكون راجحا في مواضع.
الخامس:
أن في ذلك وضعا لكثير من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان على الأمة بلا كتاب من الله ولا أثارة من علم فإن مداومة الإنسان على أمر جائز مرجحا له على غيره ترجيحا يحب من يوافقه عليه ولا يحب من لم يوافقه عليه بل ربما أبغضه بحيث ينكر عليه تركه له ويكون ذلك سببا لترك حقوق له وعليه يوجب أن ذلك يصير إصرا عليه لا يمكنه تركه وغلا في عنقه يمنعه أن يفعل بعض ما أمر به وقد يوقعه في بعض ما نهي عنه. وهذا القدر الذي قد ذكرته واقع كثيرا فإن مبدأ المداومة على ذلك يورث اعتقادا ومحبة غير مشروعين ثم يخرج إلى المدح والذم والأمر والنهي بغير حق ثم يخرج ذلك إلى نوع من
(1) هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري، أبو طلحة مشهور بكنيته، من كبار الصحابة شهد بدرًا وما بعدها، عاش بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعين سنة، ومات سنة: (34هـ) .
انظر: طبقات ابن سعد: (3/ 504) ، والإصابة: (2/ 607) .
(2) انظر: قواعد ابن رجب: 15.
(3) انظر: مجموع وفتاوى سماحة الشيح ابن باز: 11، وصفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - والشرح الممتع على زاد المستقنع ففيها شيء كثير من ذلك.
(4) سورة آل عمران، جزء من آية رقم: 103.
(5) سورة آل عمران، جزء من آية رقم: 105.
(6) سورة الأنعام، جزء من آية رقم: 159.