فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 345

ففعل ما لم يفعله قطعاومثال ما يترجح فيه أحد الالفاظ حديث الاستخارة فإن الراوي شك الشياطين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن كنت تعلم أن هذا خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة امري» أو قال: «وعاجل امري وآجله» بدل «وعاقبة امري» [1] والصحيح اللفظ الأول وهو قوله وعاقبة امري لان عاجل الأمر وآجله هو مضمون قوله ديني ومعاشي وعاقبة امري فيكون الجمع بين المعاش وعاجل الأمر وآجله تكرارا بخلاف ذكر المعاش والعاقبة فإنه لا تكرار فيه فإن المعاش هو عاجل الأمر والعاقبة آجله ومن ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال» [2] . واختلف فيه فقال بعض الرواة من أول سورة الكهف وقال: بعضهم من آخرها وكلاهما في الصحيح لكن بي لمن قال من أول سورة الكهف لان في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان في قصة الدجال فإذا رأيتموه فاقرؤوا عليه فواتح سورة الكهف ولم يختلف في ذلك وهذا يدل على أن من روى العشر من أول السورة حفظ الحديث ومن روى من اخرها لم يحفظه.

الخامس: أن المقصود إنما هو المعنى والتعبير عنه بعبارة مؤدية له فإذا عبر عنه باحدى العبارتين حصل المقصود فلا يجمع بين العبارات المتعددة السادس: أن أحد اللفظين بدل عن الآخر فلا يستحب الجمع بين البدل والمبدل معا كما لا يستحب ذلك في المبدلات التي لها أبدال و- الله تعالى اعلم - [3] .

وممن قرر هذه القاعدة ابن رجب الحنبلي [4] - رحمه الله - حيث قال في كتابه (الفذ قواعد ابن رجب) :

(القاعدة الثانية عشرة) : المذهب أن العبادات الواردة على وجوه متعددة يجوز فعلها على جميع تلك الوجوه الواردة فيها من غير كراهة لبعضها وإن كان بعضها أفضل من بعض , لكن هل الأفضل المداومة على نوع منها أو فعل جميع الأنواع في أوقات شتى , ظاهر كلام الأصحاب الأول , واختار الشيخ تقي الدين رحمه الله. الثاني: لأن فيه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في تنوعه وقال ابن عقيل في صلاة الخوف إنها تنوعت بحسب المصالح فتصلى في كل وقت على صفة تكون مناسبة له وهل الأفضل الجمع بين ما أمكن جمعه من تلك الأنواع أو الاقتصار على واحد منها. هذا فيه نزاع في المذهب ويندرج تحت ذلك صور: (منها) مسح الأذنين المذهب أنه يستحب مسحهما مرة واحدة إما مع الرأس أو بماء جديد ولا يسن الجمع بينهما وحكي عن القاضي عبد الوهاب بن جلبة قاضي حران أن الأفضل الجمع بينهما عملا بالحديثين (ومنها) الاستفتاح فالمذهب أن الأفضل الاستفتاح بسبحانك اللهم مقتصرا عليه واختار ابن هبيرة [5] أن الجمع بينه وبين الاستفتاح اللهم وجهت وجهي أفضل , وذكر الشيخ تقي الدين رحمه الله أنه يستفتح كذلك , ولكن ورد في الجمع أحاديث متعددة وفيها ضعف وبتقدير ثبوتها فلا تكون المسألة من هذا القبيل. (ومنها) إجابة المؤذن هل يشرع فيها الجمع بين الحيعلة والحوقلة أم لا وكذا في التثويب في الفجر فيه وجهان. (ومنها) سنة الجمعة بعدها نقل إبراهيم الحربي عن أحمد رحمه الله أنه قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأربع ركعات وصلى هو ركعتين فأيهما فعلت فحسن وإن أردت أن تحتاط صليت ركعتين وأربعا جمعت فعله وأمره وهذا مأخذ غريب لاستحباب الست , وأما الأصحاب فلم يستندوا إلا إلى ما نقل عن بعض الصحابة من صلاته ست ركعات. (ومنها) ألفاظ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد فإنه قد ورد فيها كما صليت على آل إبراهيم وورد كما صليت على إبراهيم فهل يقال الأفضل

(1) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، في كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، حديث رقم:1162 عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -.

(2) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

(3) انظر: جلاء الأفهام: 1/ 321.

(4) هو: أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، الشيخ العلامة الحافظ الزاهد، شيخ الحنابلة في وقته، له المؤلفات المشهورة، كشرح البخاري، والقواعد، وشرح الأربعين النووية، وغيرها، مات سنة: (795 هـ) .

انظر: المقصد الأرشد: (2/ 81) ، والسحب الوابلة: (2/ 474) .

(5) يحيى بن محمد بن هبيرة الشيباني الحنبلي، وزير المقتفى وابنه، كان مجلسه معمورًا بالعلماء والفقهاء، ألف. ومات شهيدًا مسمومًا سنة ستين وخمسمائة، 560 هـ.

انظر: ذيل طبقات الحنابلة: 1/ 251 - 289.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت