فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 345

الشرعية مهما دقّت، من غير كراهه لشيء منها، فتراه قد يفضل بعض الأحاديث على بعض إما لقوته، وصحته، أو لكثرة طرقه وعدم اختلافها، أو لغير ذلك من الأسباب.

ثم هو مع ذلك لا يكره العمل بما ثبت من السنة، مخالفًا لما اختاره، بل يعبّر عنه بأن العمل به حسن، من غير كراهه، بخلاف غيره من العلماء فإنهم قد يختارون حديثًا ويُلزمون به، أو يكرهون العمل بغيره.

وها هنا أذكر بعض الأمثلة من كلام الإمام أحمد مما يدل على ما سبق:

قال الأثرم [1] : قلت لأبي عبد الله: إلى أين يبلغ بالرفع؟ قال: أما أنا فأذهب إلى المنكبين؛ لحديث ابن عمر، ومن ذهب إلى أن يرفع يديه إلى حذو أذنيه فحسن [2] .

وقال أحمد بن حنبل - في رواية الفضل بن زياد [3] -، وسئل عن التسبيح بعد الصلاة ثلاثة وثلاثين أحب إليك، أم خمسة وعشرين؟ قال: كيف شئت.

قال القاضي أبو يعلى [4] : وظاهر هذا التخيير بينهما من غير ترجيح [5] .

وقال أحمد -في رواية محمد بن ماهان [6] ،وسأله: هل يجمع بينهما، أو يفرد؟ قال: لا يضيق.

(1) أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم الحافظ الإمام، نقل عن أحمد مسائل كثيرة، وصنفها ورتبها أبوابًا. وكانت وفاته بعد الستين ومائتين.

انظر: طبقات الحنابلة: 1/ 66 - 74.

(2) انظر: المغني: 2/ 138.

(3) أبو العباس الفضل بن زياد القطان البغدادي، كان من المتقدمين عند الإمام أحمد، وكان يعرف الإمام فضله ويكرمه، ويقدره، فوقع له عنه مسائل كثيرة جياد.

انظر: طبقات الحنابلة: 1/ 251 - 253.

(4) أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد، ابن الفراء، الحنبلي، عالم زمانه في الأصول والفروع. المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، 458 هـ.

طبقات الحنابلة: 2/ 193 - 230.

(5) انظر: فتح الباري لابن رجب الحنبلي: 5/ 249.

(6) محمد بن ماهان النيسابوري، جليل القدر، له مسائل حسان عن الإمام أحمد. توفي سنة أربع وثمانين ومائتين. 284 هـ.

طبقات الحنابلة: 1/ 321، 322.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت