والتخيير بين الأنساك، الإفراد، والتمتع، والقرآن؛ وإن كان هذا النوع من التخيير فيما يظهر لي - والعلم عند الله - أنه من باب التخيير بين العبادات الواردة من أوجه كثيرة، كأدعية الاستفتاح، والتشهدات وغيرها.
والتخيير فيما اصطلح عليه العلماء نوعان:
أحدهما:
ما اصطلح العلماء على تسميته بلفظ التخيير، وهذا كثير في الشرع، كما في التخيير بين خصال الكفارة في اليمين، والتخيير بين الزوجات لمن أسلم عن أكثر من أربع، والتخيير للطفل بين أبويه في الحضانة، والتخيير في القصاص بينه أو الدية أو العفو، وغير ذلك مما هو كثير.
وثمة نوع آخر:
وهو ما اصطلح العلماء على تسميته"الاختلاف المباح"، فكثيرًا ما يطلقون على بعض الأحكام أنه من الاختلاف المباح؛ ويقصدون به ما ورد على وجوه متنوعة، ومتعددة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فالراجح في مثل هذه الأنواع جوازها بدون كراهة فيفعل هذا تارة وهذا تارة وهذا هو منهج المحدثين، وعلى رأسهم إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل فقد سلك مسلكًا عجبًا في العلم، وتميّز عن غيره من مناهج العلماء بما بهر به الآخرين، وفاق به سائر الفقهاء والمحدثين؛ لقوة تأصيله وأصوله، ولعلّ مردّ هذا أنه قد جمع بين العلم بالحديث والعلم بالفقه فيما يظهر والله أعلم.
وإن الناظر إلى المذهب الحنبلي ليعجب حقًا من كثرة ميزه، وتعدد حسناته، وقربه من الصواب، ومن المنهج النبوي الكريم، لبنائه على أصول قوية متينة، ولعلّ من أعظم ميّز هذا المذهب أن النص الشرعي له هيبة عند صاحب هذا المذهب، مما جعله يهتم بالنص الشرعي، و يسلك به مسالك لعلها أقرب المسالك إلى الصواب، فمن ذلك مثلا: أن الحديث الضعيف أحب إليه من الرأي والقول بالقياس، وكذلك فإن من منهجه ومن طرقه في الحديث النبوي؛ أنه يُعمِل جميع ما ورد منها في الأحكام