حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ Y قَالَ الشَّافِعِيُّ Y فَخَالَفَنَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا وَغَيْرُهُمْ فَقَالَ Y يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ تُقَارِبُ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ ، وَمَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، يُشْبِهُ بَعْضَ مَا قَالَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ Y وَابْنُ عُمَرَ إِنَّمَا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ النَّهْيَ أَنْ يَتَحَرَّى أَحَدٌ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَلَمْ أَعْلَمْهُ رَوَى عَنْهُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلاَ بَعْدَ الصُّبْحِ ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ مُطْلَقٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَنَهَى عَنِ الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ ؛ لأَنَّهَا صَلاَةٌ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ ، وَصَلَّى عَلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ ؛ لأَنَّا لَمْ نَعْلَمْهُ رَوَى النَّهْيَ عَنِ الصَّلاَةِ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ Y فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ ، كَمَا نَهَى عَنْهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، لَزِمَهُ أَنْ يَعْلَمَ مَا قُلْتُ مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا فِيمَا لاَ يَلْزَمُ ، وَمَنْ رَوَى فَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَشُغِلَ عَنْهُمَا ، وَأَقَرَّ قَيْسًا عَلَى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ نَهَى عَنْهَا فِيمَا لاَ يَلْزَمُ ، وَلَمْ يَنْهَ الرَّجُلَ عَنْهُ فِيمَا اعْتَادَ مِنْ صَلاَةِ النَّافِلَةِ ، وَفِيمَا يُؤَكَّدُ مِنْهَا ، وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا عَلَيْهِ وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ إِلاَّ بِمَا قُلْنَا بِهِ ، أَوْ يَنْهَى عَنِ الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ بِكُلِّ حَالٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ Y وَذَهَبَ أَيْضًا إِلَى أَنْ لاَ يُصَلِّيَ أَحَدٌ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَلاَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ ثُمَّ نَظَرَ فَلَمْ يَرَ الشَّمْسَ طَلَعَتْ ، فَرَكِبَ حَتَّى أَنَاخَ بِذِي طُوًى فَصَلَّى . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ Y فَإِنْ كَانَ عُمَرُ كَرِهَ الصَّلاَةَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَهُوَ مِثْلُ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ ، فَرَأَى نَهْيَهُ مُطْلَقًا ، فَتَرَكَ الصَّلاَةَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ هَذَا أَنْ يَقُولَ Y لاَ صَلاَةَ فِي جَمِيعِ السَّاعَاتِ الَّتِي نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاَةِ فِيهَا لِطَوَافٍ ، وَلاَ عَلَى جَنَازَةٍ ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ لاَ يُصَلِّيَ فِيهَا صَلاَةً فَائِتَةً ، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ يُصَلِّي الصُّبْحَ إِلَى أَنْ تَبْرُزَ الشَّمْسُ ، وَحِينَ يُصَلِّي الْعَصْرَ إِلَى أَنْ يَتَتَامَّ مَغِيبُهَا ، وَنِصْفَ النَّهَارِ إِلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ Y وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ سَمِعَ النَّبِيَّ يَنْهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ أَوْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِحَاجَةِ الإِنْسَانِ . قَالَ أَبُو أَيُّوبَ Y فَقَدِمْنَا الشَّامَ ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ صُنِعَتْ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَعَجِبَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ يَقُولُ Y لاَ تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ ، وَلاَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِحَاجَةِ الإِنْسَانِ ، وَقَالَ Y رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ Y عَلِمَ أَبُو أَيُّوبَ النَّهْيَ فَرَآهُ مُطْلَقًا ، وَعَلِمَ ابْنُ عُمَرَ اسْتِقْبَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَاجَتِهِ ، وَلَمْ يَعْلَمِ النَّهْيَ ، فَرَدَّ النَّهْيَ ، وَمَنْ عَلِمَهُمَا مَعًا قَالَ Y النَّهْيُ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الصَّحْرَاءِ الَّتِي لاَ ضَرُورَةَ عَلَى ذَاهِبٍ فِيهَا ، وَلاَ سِتْرَ فِيهَا لِذَاهِبٍ ؛ لأَنَّ الصَّحْرَاءَ سَاحَةٌ يَسْتَقْبِلُهُ الْمُصَلِّي أَوْ يَسْتَدْبِرُهُ ، فَتُرَى عَوْرَتُهُ إِنْ كَانَ مُقْبِلًا أَوْ مُدْبِرًا ، وَقَالَ Y لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْبُيُوتِ لِضِيقِهَا ، وَحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى الْمِرْفَقِ فِيهَا وَسِتْرِهَا ، وَإِنَّ أَحَدًا لاَ يَرَى مَنْ كَانَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَدْخُلَ ، أَوْ يُشْرَفَ عَلَيْهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ Y وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّيَا فَرِيضَتَيْنِ قَاعِدَيْنِ بِقَوْمٍ أَصِحَّاءَ ، فَأَمَرَاهُمْ بِالْقُعُودِ مَعَهُمَا . وَذَلِكَ أَنَّهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَلِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا ، فَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ ، فَأَخَذَا بِهِ ، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْهِمَا ، وَلاَ شَكَّ أَنْ قَدْ عَزَبَ عَلَيْهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَالِسًا ، وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ قَائِمًا ، وَالنَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ قِيَامًا ، فَنَسَخَ هَذَا أَمْرَ النَّبِيِّ بِالْجُلُوسِ وَرَاءَهُ إِذْ صَلَّى شَاكِيًا جَالِسًا ، وَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ الأَمْرَيْنِ مَعًا أَنْ يَصِيرَ إِلَى أَمْرِ النَّبِيِّ الْآخِرِ ، إِذْ كَانَ نَاسِخًا لِلأَوَّلِ ، أَوْ إِلَى أَمْرِ النَّبِيِّ الدَّالِّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ Y وَفِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ النَّاسَ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مَحْصُورٌ ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاَثٍ ، وَكَانَ يَقُولُ بِهِ ؛ لأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ قَدْ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ، وَغَيْرُهُمَا ، فَلَمَّا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْهُ عِنْدَ الدَّافَّةِ ثُمَّ قَالَ Y كُلُوا ، وَتَزَوَّدُوا ، وَادَّخِرُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ نَهَى عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاَثٍ ، ثُمَّ قَالَ Y كُلُوا ، وَتَزَوَّدُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، كَانَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ الأَمْرَيْنِ مَعًا أَنْ يَقُولَ نَهَى النَّبِيُّ عَنْهُ لِمَعْنًى ، فَإِذَا كَانَ مِثْلَهُ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ لَمْ يَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهُ ، أَوْ يَقُولُ Y نَهَى النَّبِيُّ عَنْهُ فِي وَقْتٍ ، ثُمَّ أَرْخَصَ فِيهِ بَعْدَهُ ، وَالْآخِرُ مِنْ أَمْرِهِ نَاسِخٌ لِلأَوَّلِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ Y وَكُلٌّ قَالَ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَكَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى مَعْنًى دُونَ مَعْنًى ، أَوْ نَسَخَهُ ، فَعَلِمَ الأَوَّلَ وَلَمْ يَعْلَمْ غَيْرَهُ ، فَلَوْ عَلِمَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ فِيهِ صَارَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى Y وَلِهَذَا أَشْبَاهٌ كَثِيرَةٌ فِي الأَحَادِيثِ ، وَإِنَّمَا وَضَعْتُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لِتَدُلَّ عَلَى أُمُورٍ غَلِطَ فِيهَا بَعْضٌ فِي النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ ؛ لِيَعْلَمَ مَنْ عَلِمَهُ أَنَّ مِنَ مُتَقَدِّمِي الصُّحْبَةِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالأَمَانَةِ مَنْ يَعْزُبُ عَنْهُ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ الشَّيْءُ يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَعَلَّهُ لاَ يُقَارِبُهُ فِي تَقَدُّمِ صُحْبَتِهِ وَعِلْمِهِ . وَيَعْلَمُ أَنَّ عِلْمَ خَاصِّ السُّنَنِ ، إِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ خَاصٌ بِمَنْ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ عِلْمَهُ ، لاَ أَنَّهُ عَامٌّ مَشْهُورٌ كَشُهْرَةِ الصَّلاَةِ وَجُمَلِ الْفَرَائِضِ الَّتِي كُلِّفَتْهَا الْعَامَّةُ ، وَلَوْ كَانَ مَشْهُورًا شُهْرَةَ جُمَلِ الْفَرَائِضِ مَا كَانَ الأَمْرُ فِيمَا وَصَفْتُ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ كَمَا وَصَفْتُ ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَلِكَ ثُبُوتُهُ ، وَأَنْ لاَ نُعَوِّلَ عَلَى الْحَدِيثِ لِيَثْبُتَ أَنْ وَافَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلاَ يُرَدُّ لأَنْ عَمِلَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ عَمَلًا يُخَالِفُهُ ؛ لأَنَّهُ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَالْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ حَاجَةٌ إِلَى أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَعَلَيْهِمُ اتِّبَاعُهُ ، لاَ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ تَبِعَ مَا رُوِيَ عَنْهُ وَوَافَقَهُ مُزِيدٌ قَوْلَهُ شِدَّةً ، وَلاَ شَيْئًا خَالَفَهُ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ يُوهِنُ مَا رَوَى عَنْهُ الثِّقَةُ ؛ لأَنَّ قَوْلَهُ الْمَفْرُوضُ اتِّبَاعُهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى النَّاسِ ، وَلَيْسَ هَكَذَا قَوْلُ بَشَرٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ Y فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ Y أَتَّهِمُ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ عَنِ النَّبِيِّ إِذَا خَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَتَّهِمَ الْحَدِيثَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ لِخِلاَفِهِ ؛ لأَنَّ كُلًّا رَوَى خَاصَّةً مَعًا وَأَنْ يُتَّهَمَا ، فَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أَوْلَى أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ قَوْلًا لَمْ يَرْوِهِ عَنِ النَّبِيِّ لَمْ يَجُزْ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا قَالَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ؛ لِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُ يَعْزُبُ عَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضُ قَوْلِهِ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَذْكُرَهُ عَنْهُ إِلاَّ رَأَيًا لَهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ نُعَارِضَ بِقَوْلِ أَحَدٍ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ Y لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلاَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ خِلاَفُ مَنْ وَضَعَهُ هَذَا الْمَوْضِعَ ، وَلَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِلاَّ وَقَدْ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ وَتُرِكَ لِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلاَ يَجُوزُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يُرَدَّ لِقَوْلِ أَحَدٍ غَيْرِهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ Y فَاذْكُرْ لِي فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْتَ فِيهِ ، قِيلَ لَهُ Y مَا وَصَفْتُ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ ، مُفَرَّقًا وَجُمْلَةً مِنْهُ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمُقَدَّمَ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْفَضْلِ ، وَقِدَمِ الصُّحْبَةِ ، وَالْوَرَعِ ، وَالْفِقْهِ ، وَالثَّبْتُ ، وَالْمُبْتَدِئُ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهُ ، وَالْكَاشِفُ عَنْهُ ؛ لأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ يَلْزَمُ ، كَانَ يَقْضِي بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ أَنَّ الدِّيَةَ لِلْعَاقِلَةِ ، وَلاَ تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا ، حَتَّى أَخْبَرَهُ أَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَتَرَكَ قَوْلَهُ . وَكَانَ عُمَرُ يَقْضِي أَنَّ فِيَ الإِبْهَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَالْوُسْطَى وَالْمُسَبِّحَةِ عَشْرًا عَشْرًا ، وَفِي الَّتِي تَلِي الْخِنْصَرَ تِسْعًا ، وَفِي الْخِنْصَرِ سِتًّا ، حَتَّى وُجِدَ كِتَابٌ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي كَتَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ Y وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ ، فَتَرَكَ النَّاسُ قَوْلَ عُمَرَ وَصَارُوا إِلَى كِتَابِ النَّبِيِّ ، فَفَعَلُوا فِي تَرْكِ أَمْرِ عُمَرَ لأَمْرِ النَّبِيِّ فِعْلَ عُمَرَ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ ، فِي أَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ نَفْسِهِ لأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى Y وَفِي هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ حَاكِمَهُمْ كَانَ يَحْكُمُ بِرَأْيِهِ فِيمَا لِرَسُولِ اللَّهِ فِيهِ سُنَّةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا ، وَلَمْ يَعْلَمْهَا أَكْثَرُهُمْ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلْمَ خَاصِّ الأَحْكَامِ خَاصٌّ عَلَى مَا وَصَفْتُ ، لاَ عَامٌّ كَعَامِّ جُمَلِ الْفَرَائِضِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى Y وَقَسَمَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ فَسَوَّى بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ، وَلَمْ يُفَضِّلْ بَيْنَ أَحَدٍ بِسَابِقَةٍ ، وَلاَ نَسَبٍ . ثُمَّ قَسَمَ عُمَرُ فَأَلْغَى الْعَبِيدَ ، وَفَضَّلَ بِالنَّسَبِ وَالسَّابِقَةِ . ثُمَّ قَسَمَ عَلِيٌّ فَأَلْغَى الْعَبِيدَ وَسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَلِي الْخُلَفَاءُ وَأَعَمُّهُ وَأَوْلاَهُ أَنْ لاَ يَخْتَلِفُوا فِيهِ ، وَإِنَّمَا لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فِي الْمَالِ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ Y قَسْمُ الْفَيْءِ ، وَقَسْمُ الْغَنِيمَةِ ، وَقَسْمُ الصَّدَقَةِ ، فَاخْتَلَفَتِ الأَئِمَّةُ فِيهَا ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ أَخْذِ مَا أَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَلاَ عُمَرُ ، وَلاَ عَلِيٌّ ، وَفِي هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ لِحَاكِمِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ خِلاَفَ رَأْيِهِ ، وَإِنْ كَانَ حَاكِمُهُمْ قَدْ يَحْكُمُ بِخِلاَفِ آرَائِهِمْ ، لاَ أَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِهِمْ مِنْ جِهَةِ الإِجْمَاعِ مِنْهُمْ ، وَفِيهِ مَا يَرُدُّ عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ حُكْمَ حَاكِمِهِمْ إِذَا كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ فَلاَ يَكُونُ إِلاَّ وَقَدْ رَأَوْا رَأْيَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ لَوْ رَأَوْا رَأْيَهُ فِيهِ لَمْ يُخَالِفُوهُ بَعْدَهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ Y قَدْ رَأَوْهُ فِي حَيَاتِهِمْ ثُمَّ رَأَوْا خِلاَفَهُ بَعْدَهُ ، قِيلَ لَهُ Y فَيَدْخُلُ عَلَيْكَ فِي هَذَا ، إِنْ كَانَ كَمَا قُلْتَ ، أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ لاَ يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَهُمْ إِذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى قَسْمِ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ يُجْمِعُوا عَلَى قَسْمِ عَلِيٍّ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُخَالِفُ صَاحِبَهُ ، فَإِجْمَاعُهُمْ إِذًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ أَوَّلًا وَلاَ آخِرًا ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ حُجَّةٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ حُجَّةً.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ Y فَكَيْفَ تَقُولُ ؟ قُلْتُ Y لاَ يُقَالُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا إِجْمَاعٌ ، وَلَكِنْ يُنْسَبُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَى فَاعِلِهِ ، فَيُنْسَبُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِعْلَهُ ، وَإِلَى عُمَرَ فِعْلَهُ ، وَإِلَى عَلِيٍّ فِعْلَهُ ، وَلاَ يُقَالُ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَخَذَ مِنْهُمْ Y مُوَافِقٌ لَهُمْ ، وَلاَ مُخَالِفٌ ، وَلاَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلُ قَائِلٍ ، وَلاَ عَمَلُ عَامَلٍ ، إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَى كُلٍّ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ . وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ادِّعَاءَ الإِجْمَاعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ خاصِّ الأَحْكَامِ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَدَّعِيهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ Y أَفَتَجِدُ مِثْلَ هَذَا ؟ قُلْنَا Y إِنَّمَا بَدَأْنَا بِهِ لأَنَّهُ أَشْهَرُ مَا صَنَعَ الأَئِمَّةُ ، وَأَوْلَى أَنْ لاَ يَخْتَلِفُوا فِيهِ ، وَأَنْ لاَ يَجْهَلَهُ الْعَامَّةُ ، وَنَحْنُ نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَعَلَ الْجَدَّ أَبًا ، ثُمَّ طَرَحَ الْأُخْوَةَ مَعَهُ ، ثُمَّ خَالَفَهُ فِيهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الرِّدَّةِ فِدَاءً وَسَبْيًا ، وَحَبَسَهُمْ بِذَلِكَ ، فَأَطْلَقَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ Y لاَ سَبْيَ ، وَلاَ فِدَاءَ ، مَعَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَكَتْنَا عَنْهُ ، وَنَكْتَفِي بِهَذَا مِنْهُ .
66 -حَدَّثَنَا الْرَّبِيْعُ ، قَالَ Y أَخْبَرَنَا الْشَّافِعِيُّ ، قَالَ Y أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ حَاطِبٍ حَدَّثَهُ قَالَ Y تُوُفِّيَ حَاطِبٌ فَأَعْتَقَ مَنْ صَلَّى مِنْ رَقِيقِهِ وَصَامَ ، وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ نُوبِيَّةٌ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ ، وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لَمْ تَفْقَهْ ، فَلَمْ تَرُعْهُ إِلاَّ بِحَمْلِهَا ، وَكَانَتْ ثَيِّبًا ، فَذَهَبَ إِلَى عُمَرَ فَحَدَّثَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ Y لَأَنْتَ الرَّجُلُ الَّذِي لاَ يَأْتِي بِخَيْرٍ ، فَأَفْزَعَهُ ذَلِكَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا عُمَرُ فَقَالَ Y أَحَبِلْتِ ؟ فَقَالَتْ Y نَعَمْ ، مَنْ مَرَّ عَرَّسَ بِدِرْهَمَيْنِ ، فَإِذَا هِيَ تُسَهِّلُ بِذَلِكَ وَلاَ تَكْتُمُهُ ، قَالَ Y وَصَادَفَ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، فَقَالَ Y أَشِيرُوا عَلَيَّ ، قَالَ Y وَكَانَ عُثْمَانُ جَالِسًا فَاضْطَجَعَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ Y قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، فَقَالَ Y أَشِرْ عَلَيَّ يَا عُثْمَانُ ، فَقَالَ Y قَدْ أَشَارَ عَلَيْكَ أَخَوَاكَ ، فَقَالَ Y أَشِرْ عَلَيَّ أَنْتَ ، قَالَ Y أُرَاهَا تُسَهِّلُ بِهِ ، كَأَنَّهَا لاَ تَعْلَمُهُ ، وَلَيْسَ الْحَدُّ إِلاَّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ Y صَدَقْتَ صَدَقْتَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا الْحَدُّ إِلاَّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ ، فَجَلَدَهَا عُمَرُ مِائَةً ، وَغَرَّبَهَا عَامًا .
قَالَ الشَّافِعِيُّ Y فَخَالَفَ عَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ، فَلَمْ يَحُدَّهَا حَدَّهَا عِنْدَهُمَا ، وَهُوَ الرَّجْمُ ، وَخَالَفَ عُثْمَانَ أَنْ لاَ يَحُدَّهَا بِحَالٍ ، وَجَلَدَهَا مِائَةً وَغَرَّبَهَا عَامًا ، فَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مِنْ خِلاَفِهِ بَعْدَ حَدِّهِ إِيَّاهَا حَرْفٌ ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلاَفَهُمْ لَهُ إِلاَّ بِقَوْلِهِمُ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ فِعْلِهِ . قَالَ Y وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ مَا لاَ يَنْبَغِي لَهُ إِذْ قِيلَ Y حَدَّ عُمَرُ مَوْلاَةَ حَاطِبٍ كَذَا Y لَمْ يَكُنْ لِيَجْلِدَهَا إِلاَّ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، جَهَالَةً بِالْعِلْمِ ، وَجُرْأَةً عَلَى قَوْلِ مَا لاَ يَعْلَمُ ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى أَنْ يَقُولَ Y إِنَّ قَوْلَ رَجُلٍ أَوْ عَمَلَهُ فِي خَاصٍّ مِنَ الأَحْكَامِ ، مَا لَمْ يُحْكَ عَنْهُ وَعَنْهُمْ ، قَالَ عِنْدَنَا مَا لَمْ يَعْلَمْ .