قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى Y وَعَمْرَةُ أَحْفَظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَحَدِيثُهَا أَشْبَهُ الْحَدِيثَيْنِ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ عَلَى غَيْرِ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ Y إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا ، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا ، فَهُوَ وَاضِحٌ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ ؛ لأَنَّهَا تُعَذَّبُ بِالْكُفْرِ ، وَهَؤُلاَءِ يَبْكُونَ وَلاَ يَدْرُونَ مَا هِيَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، فَهُوَ صَحِيحٌ ؛ لأَنَّ عَلَى الْكَافِرِ عَذَابًا أَعْلَى ، فَإِنْ عُذِّبَ بِدُونِهِ ، فَزِيدَ فِي عَذَابِهِ ، فَبِمَا اسْتَوْجَبَ ، وَمَا نِيلَ مِنْ كَافِرٍ مِنْ عَذَابٍ أَدْنَى مِنْ أَعْلَى مِنْهُ ، وَمَا زِيدَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ فَبِاسْتِيجَابِهِ لاَ بِذَنْبِ غَيْرِهِ فِي بُكَائِهِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ قِيلَ Y يَزِيدُهُ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ، قِيلَ Y يَزِيدُهُ بِمَا اسْتَوْجَبَ بِعَمَلِهِ ، وَيَكُونُ بُكَاؤُهُمْ سَبَبًا ، لاَ أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِبُكَائِهِمْ ، فَإِنْ قِيلَ Y أَيْنَ دَلاَلَةُ السُّنَّةِ ؟ قِيلَ Y قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِرَجُلٍ Y ابْنُكَ هَذَا ؟ قَالَ Y نَعَمْ ، قَالَ Y أَمَا إِنَّهُ لاَ يَجْنِي عَلَيْكَ ، وَلاَ تَجْنِي عَلَيْهِ ، فَأَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلَ مَا أَعْلَمَ اللَّهُ مِنْ أَنَّ جِنَايَةَ كُلِّ امْرِئٍ عَلَيْهِ كَمَا عَمَلُهُ لَهُ ، لاَ لِغَيْرِهِ وَلاَ عَلَيْهِ.
155 -حَدَّثَنَا الْرَّبِيْعُ ، قَالَ Y أَخْبَرَنَا الْشَّافِعِيُّ ، قَالَ Y أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا . قَالَ أَبُو أَيُّوبَ Y فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ ، فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
156 -أَخْبَرَنَا الْشَّافِعِيُّ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ Y إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ Y إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ ، فَلاَ تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ ، وَلاَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ Y لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ Y وَلَيْسَ يُعَدُّ هَذَا اخْتِلاَفًا ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الْجُمَلِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْمُعَادِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ Y كَانَ الْقَوْمُ عُرْبًا ، إِنَّمَا عَامَّةُ مَذَاهِبِهِمْ فِي الصَّحَارِي ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ لاَ حَشَّ فِيهَا يَسْتُرُهُمْ ، فَكَانَ الذَّاهِبُ لِحَاجَتِهِ إِذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، أَوِ اسْتَدْبَرَهَا ، اسْتَقْبَلَ الْمُصَلَّى بِفَرْجِهِ ، أَوِ اسْتَدْبَرَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ ضَرُورَةٌ فِي أَنْ يُشَرِّقُوا أَوْ يُغَرِّبُوا ، فَأُمِرُوا بِذَلِكَ ، وَكَانَتِ الْبُيُوتُ مُخَالِفَةً لِلصَّحَرَاءِ ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهَا كَانَ مَنْ فِيهِ مُسْتَتِرًا لاَ يَرَاهُ إِلاَّ مَنْ دَخَلَ أَوْ أَشْرَفَ عَلَيْهِ ، وَكَانَتِ الْمَذَاهِبُ بَيْنَ الْمَنَازِلِ مُتَضَايِقَةً لاَ يُمْكِنُ مِنَ التَّحَرُّفِ فِيهَا مَا يُمْكِنُ فِي الصَّحْرَاءِ ، فَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عُمَرَ مَا رَأَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ اسْتِقْبَالِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ مُسْتَدْبِرٌ الْكَعْبَةَ ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنِ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا فِي الصَّحْرَاءِ دُونَ الْمَنَازِلِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ Y وَسَمِعَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ النَّهْيَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ مِنَ اسْتِقْبَالِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ ، فَخَافَ الْمَأْثَمَ فِي أَنْ يَجْلِسَ عَلَى مِرْحَاضٍ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ ، وَتَحَرَّفَ لِئَلاَّ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهُ ، وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ النَّبِيَّ فِي مَنْزِلِهِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ ، فَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ نَهَى عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِحَاجَتِهِ ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهُ أَوْ لَمْ يُرْوَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ خِلاَفُهُ ، وَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمْ فَرَآهُ رَأَيًا لَهُمْ ؛ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْزُوهُ إِلَى النَّبِيِّ ، وَمَنْ عَلِمَ الأَمْرَيْنِ مَعًا ، وَرَآهُمَا مُحْتَمَلَيْنِ أَنْ يُسْتَعْمَلاَ ، اسْتَعْمَلَهُمَا مَعًا ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ؛ لأَنَّ الْحَالَ تَفْتَرِقُ فِيهِمَا بِمَا قُلْنَا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خاصَّ الْعِلْمِ لاَ يُوجَدُ إِلاَّ عِنْدَ الْقَلِيلِ ، وَقَلَّمَا يَعُمُّ عِلْمَ الْخَاصِّ ، وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ النَّبِيِّ فِي الصَّلاَةِ جَالِسًا ، وَالْقَوْمُ خَلْفَهُ قِيَامٌ وَجُلُوسٌ ، فَإِنْ قِيلَ Y فَقَدْ رَوَى سَلَمَةُ بْنُ وَهْرَامَ ، عَنْ طَاوُسٍ Y حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُكْرِمَ قِبْلَةَ اللَّهِ ، أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ . قِيلَ لَهُ هَذَا مُرْسَلٌ ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ لاَ يُثْبِتُونَهُ ، وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ كَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ مُسْنَدٌ حَسَنُ الإِسْنَادِ أَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ مِنْهُ لَوْ خَالَفَهُ ، فَإِنْ كَانَ طَاوُسٌ Y حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُكْرِمَ قِبْلَةَ اللَّهِ ، أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا ، فَإِنَّمَا سَمِعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ، فَأَنْزَلَ ذَلِكَ عَلَى إِكْرَامِ الْقِبْلَةِ ، وَهِيَ أَهْلٌ أَنْ تُكْرَمَ ، وَالْحَالُ فِي الصَّحَارِي كَمَا حَدَّثَ أَبُو أَيُّوبَ ، وَفِي الْبُيُوتِ كَمَا حَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ ، لاَ أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ .