فَأَبَانَ أَنَّ نَسْخَ الْقُرْآنِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ ، وَأَبَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى رَسُولِهِ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ ، فَقَالَ Y { اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكِ } وَشَهِدَ لَهُ بِاتَّبَاعِهِ فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ } فَأَعْلَمَ اللَّهُ خَلْقَهُ أَنَّهُ يَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطِهِ ، قَالَ Y فَتُقَامُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَقَامَ الْبَيَانِ عَنِ اللَّهِ عَدَدَ فَرْضِهِ كَبَيَانِ مَا أَرَادَ بِمَا أَنْزَلَ عَامًّا Y الْعَامَّ أَرَادَ بِهِ أَوِ الْخَاصَّ ، وَمَا أَنْزَلَ فَرْضًا وَأَدَبًا وَإِبَاحَةً وَإِرْشَادًا لاَ أَنَّ شَيْئًا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ فِي حَالٍ ؛ لأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَعْلَمَ خَلْقَهُ أَنَّ رَسُولَهُ يَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ ، وَلاَ أَنَّ شَيْئًا مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ نَاسِخٌ لِكِتَابِ اللَّهِ ؛ لأَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَ خَلْقَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ ، وَالسُّنَّةُ تَبَعٌ لِلْقُرْآنِ . وَقَدِ اخْتَصَرْتُ مِنْ إِبَانَةِ السُّنَّةِ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ بَعْضَ مَا حَضَرَنِي مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى عَدَدِ الصَّلاَةِ وَمَوَاقِيتِهَا وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى عَامَّةِ الأَحْرَارِ وَالْمَمَالِيكِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلاَّ الْحُيَّضَ ، فَأَبَانَ مِنْهَا الْمَعَانِيَ الَّتِي وَصَفْتُ ، وَأَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ عَنِ الْحُيَّضِ ، وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } وَكَانَ ظَاهِرُ مَخْرَجِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إِلَى الصَّلاَةِ الْوُضُوءَ ، فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ عَلَى الْقَائِمِينَ إِلَى الصَّلاَةِ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ ؛ لأَنَّهُ صَلَّى صَلاَتَيْنِ وَصَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ قَامَ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ . وَذَهَبَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَنَّهَا عَلَى الْقَائِمِينَ مِنَ النَّوْمِ ، وَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَشْيَاءَ تُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ ، وَذَكَرَ اللَّهُ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ عَلَى بَعْضِ الْمُتَوَضِّئِينَ دُونَ بَعْضٍ . وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرْهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } وَقَالَ { وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } فَكَانَ ظَاهِرُ مَخْرَجِ الْآيَةِ بِالزَّكَاةِ عَامًّا يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ ، بِدَلاَلَةِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ مِنَ أَمْوَالِهِمْ مَا لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ ، وَأَنَّ مِنْهَا مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ مَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَبْلُغَ وَزْنًا أَوْ كَيْلًا أَوْ عَدَدًا ، فَإِذَا بَلَغَهُ كَانَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، ثُمَّ دَلَّ عَلَى أَنَّ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا يُؤْخَذُ بِعَدَدٍ وَشَيْئًا يُؤْخَذُ بِكَيْلٍ وَشَيْئًا يُؤْخَذُ بِوَزْنٍ ، وَأَنَّ مِنْهَا مَا زَكَاتُهُ خُمُسٌ ، وَعُشْرٌ ، وَرُبُعُ عُشْرٍ ، وَشَيْءٌ بِعَدَدٍ . وَقَالَ اللَّهُ Y { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَمَا يَدْخُلُ بِهِ فِيهِ ، وَمَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْهُ ، وَمَا يَعْمَلُ فِيهِ بَيْنَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ . وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } . وَقَالَ { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } وَكَانَ ظَاهِرُ مَخْرَجِ هَذَا عَامًّا ، فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَرَادَ بِهَذَا بَعْضَ السَّارِقِينَ بِقَوْلِهِ Y تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ، وَرَجَمَ الْحُرَّيْنِ الزَّانِيَيْنِ الثَّيِّبَيْنِ وَلَمْ يَجْلِدْهُمَا ، فَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ عَلَى بَعْضِ السُّرَّاقِ دُونَ بَعْضٍ ، وَالْجَلْدَ عَلَى بَعْضِ الزُّنَاةِ دُونَ بَعْضٍ ، فَقَدْ يَكُونُ سَارِقًا مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلاَ يُقْطَعُ ، وَسَارِقًا لاَ تَبْلُغُ سَرِقَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ فَلاَ يُقْطَعُ ، وَيَكُونُ زَانِيًا ثَيِّبًا فَلاَ يُجْلَدُ مِائَةً . فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ أَنْ لاَ يَشُكَّ أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا قَامَتْ هَذَا الْمَقَامِ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ فِي أَنَّ اللَّهَ أَحْكَمَ فَرْضَهُ بِكِتَابِهِ ، وَبَيَّنَ كَيْفَ مَا فَرَضَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ، وَأَبَانَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَادَ بِهِ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ ، كَانَتْ كَذَلِكَ سُنَّتُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لاَ تَخْتَلِفُ ، وَأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ Y تُعْرَضُ السُّنَّةُ عَلَى الْقُرْآنِ فَإِنْ وَافَقَتْ ظَاهِرَهُ وَإِلاَّ اسْتَعْمَلْنَا ظَاهِرَ الْقُرْآنِ وَتَرَكْنَا الْحَدِيثَ جَهْلٌ لِمَا وَصَفْتُ ، فَأَبَانَ اللَّهُ لَنَا أَنَّ سُنَنَ رَسُولِهِ فَرْضٌ عَلَيْنَا بِأَنْ نَنْتَهِيَ إِلَيْهَا لاَ أَنَّ لَنَا مَعَهَا مِنَ الأَمْرِ شَيْئًا إِلاَّ التَّسْلِيمَ لَهَا وَاتِّبَاعَهَا ، وَلاَ أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى قِيَاسٍ وَلاَ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِهَا ، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهَا مِنْ قَوْلِ الْآدَمِيِّينَ تَبَعٌ لَهَا . قَالَ Y فَذَكَرْتُ مَا قُلْتَ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَالْآثَارِ وَاخْتِلاَفِ النَّاسِ وَالْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ فَكُلُّهُمْ قَالَ Y هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمِيعِ مَنْ رَضِينَا مِمَّنْ لَقِينَا ، وَحُكِيَ لَنَا عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَقُلْتُ لأَلْحَنَ مَنْ خَبَرْتُ مِنْهُمْ عِنْدِي بِحُجَّةٍ وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا فِيمَا عَلِمْتُ Y أَرَأَيْتَ إِذَا زَعَمْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ أَنَّ الْحَقَّ فِي أَمْرٍ فَهَلْ يَجُوزُ خِلاَفُهُ ؟