فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 86

وَهَكَذَا قَالَ الْبَصْرِيُّونَ فِيمَا أَخَذُوا بِهِ مِنَ الْحَدِيثِ دُونَكُمْ وَدُونَ غَيْرِكُمْ ، وَالْكُوفِيُّونَ سِوَاكُمْ فِيمَا أَخَذُوا مِنَ الْحَدِيثِ دُونَكُمْ وَدُونَ غَيْرِكُمْ ، فَنَسَبُوا مَنْ خَالَفَ حَدِيثًا أَخَذُوا بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْجَهْلِ إِذَا جَهِلَهُ ، وَقَالُوا Y كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ ، وَإِلَى الْبِدْعَةِ إِذَا عَرَفَهُ فَتَرَكَهُ .

وَهَكَذَا كُلُّ أَهْلِ بَلَدٍ فِيهَا عِلْمٌ ، فَوَجَدْتُ أَقَاوِيلَ مَنْ حَفِظْتُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ كُلَّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى عَيْبِ مَنْ خَالَفَ الْحَدِيثَ الْمُنْفَرِدَ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي تَثْبِيتِ الْحَدِيثِ الْمُنْفَرِدِ حَجَّةٌ إِلاَّ مَا وَصَفْتُ مِنْ هَذَا كَانَ تَثْبِيتُهُ مِنْ أَقْوَى حُجَّةٍ فِي طَرِيقِ الْخَاصَّةِ لِتَتَابُعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْبُلْدَانِ عَلَيْهَا .

وَقُلْتُ لَهُ Y سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْكَلاَمِ مَنْ يُسْرِفُ وَيَحْتَجُّ فِي عَيْبِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْكُمْ بِأَنْ يَأْخُذَ مَنْ خَالَفَهُ مِنْكُمْ بِحَدِيثٍ وَيَتْرُكَ مِثْلَهُ ؛ لأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ دَاخِلٌ فِي مَعْنَاهُ ، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ ، فَقَالَ Y هَذَا كَمَا وَصَفْتَ ، وَالْحُجَّةُ بِهَذَا ثَابِتَةٌ لِكُلِّ مَنْ صَحَّحَ الأَخْذَ بِالْحَدِيثِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ عَلَى مَنْ أَخَذَ بِبَعْضٍ وَتَرَكَ بَعْضًا ، وَلَكِنْ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ التَّأْوِيلِ فَمَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ ؟ قُلْتُ Y فَسَنَذْكُرُ مِنَ التَّأْوِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ فِيهِ وَمَا سَلَكَ فِيهِ سَالِكٌ طَرِيقًا خَالَفَ الْحَقَّ عِنْدَنَا كَانَ أَشْبَهَ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْكَ مِنْ أَصْحَابِكَ ؛ لأَنَّكُمْ قُلْتُمْ ، وَلَكُمْ عِلْمٌ بِمَذَاهِبِ النَّاسِ وَبَيَانِ الْعُقُولِ ، وَكَلِمَتُهُ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ فِيمَا تَأَوَّلُوا وَرَأَيْتُهُمْ غَلَطُوا فِيهِ وَخَلَطُوا بِوُجُوهٍ شَتَّى ، أَمْثَلُ مِمَّا حَضَرَنِي مِنْهَا مِثَالًا يَدُلُّ عَلَى مَا رَوَاهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ Y أَبَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِخَلْقِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ كِتَابَهُ بِلِسَانِ نَبِيِّهِ وَهُوَ لِسَانُ قَوْمِهِ الْعَرَبِ ، فَخَاطَبَهُمْ بِلِسَانِهِمْ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ مَعَانِي كَلاَمِهِمْ ، وَكَانُوا يَعْرِفُونَ مِنْ مَعَانِي كَلاَمِهِمْ أَنَّهُمْ يَلْفِظُونَ بِالشَّيْءِ عَمَّا يُرِيدُونَ بِهِ الْعَامَّ ، وَعَامًّا يُرِيدُونَ بِهِ الْخَاصَّ ، ثُمَّ دَلَّهُمْ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ، وَأَبَانَ لَهُمْ أَنَّ مَا قَبِلُوا عَنْ نَبِيِّهِ فَعَنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَبِلُوا بِمَا فَرَضَ مِنْ طَاعَةِ رَسُولِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ ، مِنْهَا { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } وَقَوْلُهُ { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } . قَالَ Y وَقَدِ اخْتَصَرْتُ مِنْ تَمْثِيلِ مَا يَدُلُّ الْكِتَابُ عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ مِنَ الأَحْكَامِ عَامًّا أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ ، وَكَتَبْتُ فِي كِتَابٍ غَيْرِ هَذَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ ، وَكَتَبْتُ مَعَهُ غَيْرَهُ مِمَّا أُنْزِلَ عَامًّا يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ ، وَكَتَبْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِمَّا نَزَلَ عَامَّ الظَّاهِرِ مَا دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ بِهِ الْخَاصَّ لِإِبَانَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ مَا رَأَيْنَاهُ مُخَالِفًا فِيهِ طَرِيقَ مَنْ رَضِينَا مَذْهَبَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .

مِنْ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } الْآيَةَ ، وَقَالَ { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } فَكَانَ ظَاهِرُ مَخْرَجِ هَذَا عَامًّا عَلَى كُلِّ مُشْرِكٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ { قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الْآخَرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } . فَدَلَّ أَمْرُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِالْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَمَرَ فِيهِمَا بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وُجِدُوا حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلاَةَ ، وَأَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ مَنْ خَالَفَ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَذَلِكَ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الأَوْثَانِ حَتَّى يُسْلِمُوا ، وَقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ، فَهَذَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي دَلَّ اللَّهُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْخَاصَّ لاَ أَنَّ وَاحِدَةً مِنَ الْآيَتَيْنِ نَاسِخَةٌ لِلْأُخْرَى ؛ لأَنَّ لِإِعَمْالِهِمَا مَعًا وَجْهًا بِأَنْ كَانَ كُلُّ أَهْلِ الشِّرْكِ صِنْفَيْنِ Y صِنْفٌ أَهْلُ الْكِتَابِ ، وَصِنْفٌ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ وَلِهَذَا فِي الْقُرْآنِ نَظَائِرُ وَفِي السُّنَنِ مِثْلُ هَذَا . قَالَ Y وَالنَّاسِخُ مِنَ الْقُرْآنِ الأَمْرُ يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ الأَمْرِ يُخَالِفُهُ كَمَا حَوَّلَ الْقِبْلَةَ قَالَ { فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } وَقَالَ { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } وَأَشْبَاهٌ كَثِيرٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، قَالَ Y وَلاَ يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إِلاَّ كِتَابُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } وَقَوْلِهِ { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت