فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 498

منه ما وليت، إذ شدّ علينا أبو حسن في كتائبه، وعن يمينه وشماله أهل البصائر، وكرام العشائر، فهناك شخصت الأبصار، وارتفع الشرار وقارعت الأمّهات عن ثكلها، وذهلت عن حملها، واحمرّت الحدق، واغبرّ الأفق، وألجم العرق، وسال العلق، وثار القتام، وصبر الكرام، وحام اللئام، وحضر الفراق، وأزبدت الاشداق، وقامت الحرب على ساق، وتضاربت الرجال بنصالها، بعد يأس من مآلها، وتقصّف من رماحها، فلا نسمع إلّا التّغمغم من الرجال، والتّحمحم من الخيول [1] ، ووقع السيوف كأنّه دقّ غاسل خشبته على منصبته، فكان ذلك دأبنا يومنا حتى رهقنا [2] الليل بغسقه، ثم انبلج الصبح بفلقه، فلم يبق من القتال إلّا الهرير والزّئير [3] . فقال عمرو ابن العاص: أما والله لو شهدتم ذلك اليوم لعلمتم أنّي أحسن بلاء، وأصبر في اللّأواء [4] ، وإني وإياكم لكما قال الأوّل:

وأعرض عن أشياء لو شئت قلتها ... ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا

فان كان أمير المؤمنين صيّرني شعاره دون دثاره فقد أوليته ذلك من نفسي، وقد عجمني وسبرني فوجدني وفيّا شكورا، إذ لم تشكروه ولا أنتم معه، وقد طلبنا بدم أمير المؤمنين المقتول ظلما إذا لم تطلبوه، وصبرنا لقراع الكتائب وظبات القواضب [5] ، وأنا أسألك يا أمير المؤمنين أن تغفر

(1) الغمغمة: أصوات الأبطال عند القتال، والحمحمة: اصوات الخيل.

(2) رهقه من باب طرب: غشيه، يتعدى بنفسه، وأرهقه بالهمزة: يتعدى لمفعولين.

(3) الهرير:

صوت الكلب دون النباح، والزئير: صوت الاسد، وهذا وصف لاصوات المقاتلين حين البأس.

(4) رسمت في «الّاواء» .

(5) ظبات: جمع «ظبة» بضم الظاء وفتح الباء، وهي: حد السيف. وكتبت في الأصلين «ظباة» وهو خطأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت