قلت: هذا كلام خبير بالحرب. وهو الذريعة إلى الظّفر أو السلامة، إلّا مع الاضطرار. فانّ المضطرّ لا يليق به إلّا الإقدام، فان كان في الأجل فسحة فهو ينجو مشكورا، وإن انتهت المدة فموت المقدم [1] أكرم من موت المولّي.
قال الحجاج بن يوسف لوازع بن ذوالة الكلبي: كيف قتلت همّام بن قبيصة النمري [2] ؟ قال: مرّ بي والناس منهزمون، ولو شاء أن يذهب لذهب، فلما رآني قصد لي، فضربته وضربني، وسقط، فحاول القيام فلم يقدر، فقال وهو في الموت:
تعست ابن [3] ذات النّوف [4] أجهز على امرىء ... يرى الموت خيرا من فرار وأكرما
ولا تتركنّي بالحشاشة [5] إنّني ... صبور إذا ما النّكس [6] مثلك أحجما
فدنوت منه، فقال: أجهز عليّ قبّحك الله! فقد كنت أحبّ أن يلي هذا منّي من هو أربط جأشا منك! فاحتززت رأسه فأتيت به مروان بن الحكم.
وعن رجل من تميم، قال: جاء رجل من كلب يوم المرج [7] برأس ابن عمرو العقيلي إلى مروان بن الحكم، فقال له مروان: من قتل هذا؟ قال: أنا.
قال: كذبت. قال: المكذّب أكذب! أنا والله قتلته، مرّ وهو تعدو به فرسه وهو يقول:
(1) ضبط في الأصل بتشديد الدال، وهو خطأ.
(2) فى الأصلين «النميرى» وصححناه من تاريخ الطبرى (ج 6ص 172)
(3) كتب في الأصلين «بن» بدون ألف.
(4) النوف: الفرج، انظر لسان العرب (ج 11ص 258)
(5) الحشاشة بضم الحاء المهملة: روح القلب ورمق الحياة، وفى رواية لسان العرب «كالخشاشة» بالكاف وبالخاء المعجمة، ويظهر أنه تصحيف.
(6) النكس بكسر النون: الرجل الضعيف
(7) هو يوم مرج راهط، انظر تاريخ الطبري (ج 7ص 6437)