فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9665 من 82138

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من مخالفة خمر الآخرة لخمر الدنيا، جاء موضحا في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ, بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ, لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} [الصافات:45 - 47] , وقوله: {لا فِيهَا غَوْلٌ} , أي ليس فيها غول يغتال العقول، فيذهبها كخمر الدنيا. {وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} , أي لا يسكرون، وكقوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ, بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ

ص -456 - مَعِينٍ, لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ [الواقعة:17 - 19] , وقوله: {لا يُصَدَّعُونَ} أي لا يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها.

وقد أوضحنا معنى هذه الآيات في صفة خمر الآخرة، وبينا أنها مخالفة في جميع الصفات لخمر الدنيا, وذكرنا الشواهد العربية في ذلك في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة:90] .

قوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ} .

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ} جمع غلام، أي خدم لهم، وقد قدمنا إطلاقات الغلام وشواهدها العربية في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: {قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} [الحجر:53] .

ولم يبين هنا ما يطوفون عليهم به، وذكر هنا حسنهم بقوله: {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ} في أصدافه، لأن ذلك أبلغ في صفائه وحسنه، وقيل: مكنون أي مخزون لنفاسته، لأن النفيس هو الذي يخزن ويكن.

وبين تعالى في الواقعة بعض ما يطوفون عليهم به في قوله: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ, بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} [الواقعة:17 - 18] , وزاد في هذه الآية كونهم مخلدين، وذكر بعض ما يطاف عليهم به في قوله: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} [الزخرف:71] ، وقوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاقَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} [الإنسان:16] .

والظاهر أن الفاعل المحذوف في قوله: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ} في آية الزخرف والإنسان المذكورتين هو الغلمان المذكورون في الطور والواقعة، وذكر بعض صفات هؤلاء الغلمان في الإنسان في قوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} [الإنسان:19] .

قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} .

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن أهل الجنة يسأل بعضهم بعضا، وأن

ص -457 - المسؤول عنهم يقول للسائل: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ} ، أي في دار الدنيا {فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} أي خائفين من عذاب الله، ونحن بين أهلنا أحياء {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} أي أكرمنا، وتفضل علينا بسبب الخوف منه في دار الدنيا فهدانا، ووفقنا في الدنيا {وَوَقَانَا} في الآخرة {عَذَابَ السَّمُومِ} ، والسموم: النار ولفحها ووهجها، وأصله الريح الحارة التي تدخل المسام، والجمع سمائم. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

أنامل لم تضرب على البهم بالضحى بهن ووجه لم تلحه السمائم

وقد يطلق السموم على الريح الشديدة البرد، ومنه قول الراجز:

اليوم يوم بارد سمومه من جزع اليوم فلا ألومه

الفاء في قوله: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} ، تدل على أن علة ذلك هي الخوف من الله في دار الدنيا، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإشفاق الذي هو الخوف الشديد من عذاب الله في دار الدنيا، سبب للسلامة منه في الآخرة، يفهم من دليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته أن من لم يخف من عذاب الله في الدنيا لم ينج منه في الآخرة.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت