فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9666 من 82138

وما تضمنته هذه الآية الكريمة بمنطوقها ومفهومها جاء موضحا في غير هذا الموضوع. فذكر تعالى أن السرور في الدنيا وعدم الخوف من الله سبب العذاب يوم القيامة، وذلك في قوله: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ, فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا, وَيَصْلَى سَعِيرًا, إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا, إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} [الانشقاق:10 - 14] .

وقد تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه أن إن المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا} ، علة لقوله: {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا} .

والمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشقق ولا خائف، ويؤيد ذلك قوله بعده: {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} ، لأن معناه، ظن ألن يرجع إلى الله حيا يوم القيامة، ولا شك أن من ظن أنه لا يبعث بعد الموت لا يكون مشفقا في أهله خوفا من العذاب، لأنه لا يؤمن بالحساب والجزاء، وكون {لَنْ يَحُورَ} ، بمعنى لن يرجع معروف في كلام العرب، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي:

ص -458 - أليلتنا بذي حسم أنيري إذا أنت انقضيت فلا تحوري

فقوله: فلا تحوري، أي فلا ترجعي.

وقول لبيد بن ربيعة العامري:

وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد ما هو ساطع

أي يرجع رمادا، وقيل: يصير، والمعنى واحد.

وقوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ, فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ, وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ, لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ, إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ, وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ, وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [الواقعة:41 - 47] ، لأن تنعمهم في الدنيا المذكور في قوله: {مُتْرَفِينَ} ، وإنكارهم للبعث المذكور في قوله {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا} الآية, دليل على عدم إشفاقهم في الدنيا، وهو علة كونهم {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} .

وقد قدمنا قريبا أن إن المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} الآية, علة لقوله: {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} .

وقد ذكر جل وعلا أن الإشفاق من عذاب الله من أسباب دخول الجنة والنجاة من العذاب يوم القيامة، كما دل عليه منطوق آية الطور هذه، قال تعالى في المعارج: {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ, إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [المعارج:27 - 28] إلى قوله: {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج:35] ، وذكر ذلك من صفات أهل الجنة في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} إلى قوله: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:57 - 61] ، وقد قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ, أولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ, فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الواقعة:10 - 12] .

وقوله في آية الواقعة المذكورة: {وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} ، أي يديمون ويعزمون على الذنب الكبير، كالشرك وإنكار البعث، وقيل المراد بالحنث: حنثهم في اليمين الفاجرة كما في قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} [النحل:38] .

ص -459 - قوله تعالى: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} .

نفى الله جل وعلا عن نبيه صلى الله عليه وسلم في هاتين الآيتين الكريمتين ثلاث صفات قبيحة عن نبيه صلى الله عليه وسلم رماه بها الكفار، وهي الكهانة والجنون والشعر، أما دعواهم أنه كاهن أو مجنون، فقد نفاها صريحا بحرف النفي الذي هو {مَا} في قوله: {فَمَا أَنْتَ} وأكد النفي بالباء في قوله: {بِكَاهِنٍ} وأما كونه شاعرا فقد نفاه ضمنا بـ {أَمْ} المنقطعة في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ} ، لأنها تدل على الإضراب والإنكار المتضمن معنى النفي.

وقد جاءت آيات أخر بنفي هذه الصفات عنه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى في نفي الجنون عنه في أول القلم: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم:2] وقوله في التكوير {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [التكوير:22] وكقوله في نفي الصفتين الأخيرتين أعني الكهانة والشعر: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ, وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة:41 - 42] ، وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الشعراء وغيرها.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} أي ننتظر به حوادث الدهر، حتى يحدث له منها الموت، فالمنون: الدهر، وريبه: حوادثه التي يطرأ فيها الهلاك والتغيير، والتحقيق أن الدهر هو المراد في قول أبي ذؤيب الهذلي:

أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع

لأن الضمير في قوله: وريبه يدل على أن المنون الدهر، ومن ذلك أيضا قول الآخر: تربص

بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها

وقال بعض العلماء: {الْمَنُونِ} في الآية الموت، وإطلاق المنون على الموت معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي الغول الطهوي:

هم منعوا حمى الوقبي بضرب يؤلف بين أشتات المنون

لأن الذين ماتوا عند ذلك الماء المسمى بالوقبا، جاءوا من جهات مختلفة، فجمع الموت بينهم في محل واحد، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في بلاد شتى.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت