"وهذه الأدلة التسعة عشرة أقواها النص والإجماع، ثم هما إما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها، فإن وافقاها فبها ونعمت ولا نزاع، وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الافتئات عليهما والتعطيل لهما".
وعمدة دليله على كلامه هذا، اعتباره المصلحة دليلًا أقوى من كل من النص والإجماع، فهو يقول: إن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع، ويلزم من ذلك أنها أقوى أدلة الشرع، لأن الأقوى من الأقوى أقوى.
وجعل عمدة دليله على أن المصلحة مقدمة في الرعاية على النص والإجماع أمرين:
أحدهما: أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهي إذًا محل وفاق، والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه.
ثانيهما: أن النصوص مختلفة متعارضة، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذمومة شرعًا، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعًا، فكان اتباعه أولى.
مناقشة هذه الأوهام وردها:
وقبل أن نرد على ما تخيله من أدلة لزعمه هذا، ينبغي أن نشير للقارئ إلى ما وقع فيه هذا الرجل من تناقض عجيب، وهو يقرر أدلته هذه.
فلقد بدأ فساق كل الأدلة الشرعية التي قيل بها والتي أحصاها في تسعة عشر دليلًا، سواء منها ما كان متفقًا عليه، وما كان مختلفًا فيه، و ذكر منهم المصالح المرسلة، ثم اعترف بأن النص والإجماع هما أقوى هذه الأدلة كلها، ولكنه مع ذلك عاد فقال في معرض استدلاله على وجوب تقديم المصلحة عليهما: إن رعاية المصلحة مقدمة على الإجماع، وإذًا فهي أقوى أدلة الشرع كلها، أفيكون تناقض أبلغ من هذا وأوضح؟ !
وأيضًا فقد ذكر عن تحليل لفظ حديث (( لا ضرر ولا ضرار ) ). . . ما نصه:"ثم المعنى لا لحقوق ضرر شرعًا إلا بموجب خاص مخصص".
"وعاد فأكد هذا الكلام بعد ذلك، فقال: إن النص والإجماع إما أن لا يقتضيا ضررًا ولا مفسدة بالكلية، أو يقتضيا ذلك، فإن لم يقتضيا شيئًا من ذلك فهما موافقان لرعاية المصلحة، وإن اقتضيا ضررًا فإما أن يكون الضرر مجموع مدلوليهما أو بعضه، فإن كان مجموع مدلوليهما، فلا بد أن يكون من قبيل ما استثنى من قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرر ولا ضرار ) ) (1) ، وذلك كالحدود والعقوبات على الجنايات، وإن كان الضرر بعض مدلوليهما، فإن اقتضاه دليل خاص اتبع الدليل، وإن لم يقتضه دليل خاص وجب تخصيصهما بقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرر ولا ضرار ) )جمعًا بين الأدلة".
"فماذا عسى أن يكون الموجب الخاص المخصص في كلامه الأول، أو الدليل الخاص المقتضى للضرر في كلامه الثاني غير نص الكتاب أو السنة أو الإجماع المترتب على أحدهما"؟
"وما دام كذلك فكيف تكون المصلحة مع ذلك أقوى اعتبارًا من النص والإجماع"؟
"إما أن المصلحة أقوى اعتبارًا من النص والإجماع كما يقول، فلا معنى إذًا لتحكم أحدهما في استثناء بعض صور المصالح عن الاعتبار، سواء كان الضرر كل مدلوله أو بعض مدلوله، وسواء أكد هذا البعض دليل خاص آخر أم لا، لا فرق بين كل هذه التنويعات المتكلفة ما دام أصل دلالتها آتيًا من النص أو الإجماع، وما دامت المصلحة في ذاتها أقوى منهما في ذاتهما".
"وإما أن النص والإجماع أقوى اعتبارا من محض ما يسمى مصلحة، وعلى ذلك يأتي الموجب الخاص فيخصص عموم حديث (( لا ضرر ولا ضرار ) )كما قال: فما معنى التفريق إذا بين نص كان الضرر كل مدلوله، ونص آخر كان الضرر بعض مدلوله، ما دام الدال على كلٍّ نصًّا، وما دام النص أقوى من المصلحة المتوهمة؟ وما معنى القول بترجيح هذا المتوهم على النصوص والإجماع ….؟"
"فهاتان الصورتان من التناقض الصارخ في كلامه، كافيان لإسبال حجاب الإهمال على مجموع أدلته وبراهينه التي ساقها على دعواه".
ومع ذلك فللنناقش أدلته، وإن كانت واضحة البطلان خشية أن يفتن بها الذين يلتمسوا السبيل في هذه الأيام إلى مثل دعواه.
"فنقول أولًا: إن الأساس الذي بنى عليه زعمه هذا، أساس محال غير متصور الوقوع، ألا وهو فرض كون المصلحة مخالفة للنص أو الإجماع".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)