وترجمة الطلاق بالعجمية صريح في المذهب لشهرة استعمالها عند أهلها شهرة استعمال العربية عند أهلها وأطلقتك وأنت مُطْلَقةٌ كناية لعدم اشتهاره في معنى الطلاق ولو اشتهر لفظ للطلاق كالحلال عليّ حرامٌ أو حلالُ اللهِ عليَّ حرامٌ فصريح في الأصح عند من اشتهر عندهم هذا اللفظ وغلب في الاستعمال وحصل التفاهم به قلت الأصح أنه كناية والله أعلم لأن الصريح ما ورد في القرآن وما تكرر على لسان حملة الشريعة لا على لسان العوام فإن نوى به طلاقًا كان وإن نوى تحريم عينها أو تحريم وطئها أو فرجها بلا طلاق وجبت عليه كفارة يمين لما روى البيهقي والسيوطي والطبري في التفسير عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى منزل حفصة فلم يجدها وكانت عند أبيها فاستدعى جاريته مارية القبطية فأتت حفصة فقالت يا رسول الله: في بيتي وفي يومي وعلى فراشي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أرضيك وأسرُّ إليكِ سرًا فأكتميه هي على حرام، فأنزل الله(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم) التحريم1).
وكنايته كأنت خلية برية بتةٌ بتلةٌ بائن إعتدى إستبرئي رحمك إلحقي بأهلك أي لأني طلقتك حبلك على غاربك والغارب هو ما تقدم من الظهر وارتفع من العنق أي أني خليتُ سبيلك كما يخلى البعير في الصحراء وزمامه على غاربه لا أنده سَرْبَكِ والسَرْب الإبل وكل ما يرعى من الأموال أي لا أهتم لشأنك إعزُبي أي كوني بلا زوج إغربي أي صيري غريبةً عني أو انصرفي عن وجهي دعيني وحدي ودعيني لأنك لست زوجة ونحوها مثل انكحي -تزوجي- فتشي عن غيري- لعل الله يكتب لل منّا أحسن من هذا النصيب والإعتاق كناية طلاق وعكسه اي الطلاق كناية عتق لاشتراكهما في إزالة الملك فإذا قال لزوجته أعتقتك أو أنت حرة ونوى الطلاق طلقت وإذا قال لعبده طلقتك ونوى العتق عَتَقَ.
وليس الطلاق كناية ظهار وعكسه أي وليس الظهار كناية طلاق وإن اشتركا في التحريم لإمكان استعمال كل في موضعه فلا بخرج عنه للقاعدة المشهورة"إن ما كان صريحًا في بابه ووجد نفاذًا في موضوعه لا يكون صريحًا ولا كناية غيره".
ولو قال أنت عليَّ حرام أو حرمتك ونوى طلاقًا أو ظهارًا حصل ما نواه لأن كلًا منهما يقتضي التحريم فجاز أن يكني عنه بالحرام أو نواهما أي الطلاق أو الظهار معًا تخيّرَ ثبت ما اختاره ولا يقعان معًا لأن النكاح يزيله الطلاق والظهار لا يزيله وقيل طلاق لأنه أقوى وقيل ظهار لأن الأصل بقاء الزوجية أو تحريم عينها أو يدها أو فرجها أو وطئها لم تحرم وعليه كفارة يمين لما ورد في قصة مارية السابقة وكذا لا تحرم عليه وإن كُرِهَ له ذلك وعليه كفارة يمين في الحال إن لم تكن له نية في قوله أنت عليَّ حرام في الأظهر لما ذكر سابقًا. والثاني إن هذا القول لغو فلا كفارة عليه فقد ذكر ابن أبي شيبة في المصنف أن مسروقًا قال: (لا أُبالي أن أحرمها أو أحرِّمَ قصعة ثريد) .
وروي أن رجلًا جاء إلى ابن عباس فقال: إني قلت لزوجتي أنتِ عليَّ حرام، فقال: هي عليك حلال ثم تلا (يا أيها النبي لِمَ تُحَرِمُ ما أحل الله لك) التحريم1.
ولو قاله أي أنت عليَّ حرام لأمته ونوى عتقًا ثبت العتق أما إذا نوى طلاقها أو ظِهارها لم يلزمه شيء لأن الطلاق أو الظهار لا يصح من السيد في أمته أو تحريم عينها أو يدها أو فرجها أو وطئها كما مرَّ أو لا نية له فكالزوجة فيما مرَّ من أحكام فلا تحرم عليه في ذلك وتلزمه كفارة يمين لأن الأمة هي السبب في ورود الآية (يا أيها النبي لِمَ تُحَرِمُ ما أحل الله لك) التحريم1. ولو قال هذا الثوب أو الطعام أو العبد حرامٌ عليّ فلغو لعدم قبول هذه الأشياء التحريم أما الزوجة والأمة فإنه قادر على تحريمها بالطلاق والعتق.
وشرط نية الكناية اقترانها بكل اللفظ وقيل يكفي بأوله وينسحب ما بعده عليه وقيل لا بل بآخره فقوله أنت بائن لا يكفي فيه قوله أنت ويسكت ولذا قيل يتعلق بأوله أو آخره وإشارة ناطق بطلاق لغوٌ لأنه مستغنٍ بالكلام عن الإشارة وإن قصده بها فهي لا تقصد للإفهام إل نادرًا وقيل كنايةٌ لحصول الإفهام بها ويعتدُّ بإشارة الأخرى في العقود والحلول كالبيع والعتق والنكاح والدعاوى والأقارير.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)