ولذلك لا نجد في الكتاب ما يدل على خيال جامح، أو إبداع أدبي بارع، يشدك إلى قراءته، ومن ثم فقد طابع التسلسل الذي يجعل الفكرة تلاحق سابقتها، لكثرة التفريعات والتقسيمات، فعم الكتاب كثرة الاستطراد والتقصي.
وليس هذا بعيب في الكتاب ولا في أسلوبه، لأنه نهج فرضه الموضوع، وأملته ظروف التأليف، وشخصية المؤلف أيضا.
ويبقى «لابن الأزرق» فضل إمدادنا بنموذج لأسلوب الكتابة في عصره، ولطريقة في التأليف، خاضعة لمعايير منطقية، لا يستطيع صاحبها مجاوزتها.
والكتاب بعد كل هذا يعد وثيقة نادرة، تكشف عن ثقافة عصر بكل معطياته، وعن المستوى العلمي الذي كانت تحظى به بلاد الأندلس، وما كان لأعلامها من علم ومعرفة، ويحدد موقفا معينا لصاحبه تتجلى أهميته في الدفاع عن العربية وآلتها. وبالتالي عن الكتاب والسنة في مواجهة التحدي الصليبي الذي كان يزحف، وكأن «ابن الأزرق» يستقرىء المستقبل ويفصح عما تخفيه الأيام.
ويحق لنا أن نتساءل عن أهم المميزات والخصائص التي تميز بها هذا الكتاب؟ إن لكل كتاب طعما يدل على ذوق صانعه، ولونا يدل على شخصية مصوره، مهما اختلفت شخصية المختار وراء ما اختار.
ولقد جاء كتاب «روضة الإعلام» يعكس بحق شخصية صاحبه، ويعكس ما كان يهتم به من مباحث وعلوم كانت جزءا مما كان يشغل علماء عصره، فقد روى عن شيوخه، وعن معاصريه، فهو أديب تارة، وإن كان ذوقه ينحصر أحيانا كثيرة في المحفوظ لديه دون إبداع، وهو فقيه تارة أخرى يعتمد الأدلة النقلية والعقلية وهو بعد كل هذا محدث، وراوية، وعالم أصول، ومنطق، مما جعل الكتاب موسوعة علمية تغريك بلطائفها، وطرائفها.
ولعل أهم خاصية لهذا الكتاب هو جمعه للنصوص المختلفة، والتعقيب عليها بالاستحسان والاستهجان، وبالموافقة والمخالفة، مع الإشارة إلى مواطن
الجودة فيها، ومواضع الضعف وخلق جو من المناقشة القائمة على الإتيان بالدليل المقنع، والحجة الدامغة، مقلبا وجوه الرأي في المسألة الواحدة، وتبدو لهجته فيها أحيانا، موضوعية هادئة، وأحيانا حادة، خاصة في دفاعه عن النحو وأهله، أو في موقفه من بعض المذاهب التي يبدو من خلالها علما من أعلام المالكية متشبثا بالسلف الصالح، ناهجا طريقهم، ومقتديا بآرائهم متعصبا لهم على غيرهم، فهل كان «ابن الأزرق» يريد من كل هذا إلى أن جماع الفضل في العلوم والفنون الإسلامية يرجع إلى أهل السنة؟