فهرس الكتاب

الصفحة 942 من 1818

وهذه الطبيعة التي تبدو هنا في يهود هي الطبيعة الكنود، طبيعة الأثرة الضيّقة التي تحيا في نطاق من التعصّب شديد، وتحسّ أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها، ولا تشعر بالوشيجة الإنسانيّة الكبرى، التي تربط البشريّة جميعًا!

وهكذا عاش اليهود في عزلة يحسّون أنهم فرع مقطوع من شجرة الحياة، ويتربّصون بالبشريّة الدوائر، ويكنّون للناس البغضاء، ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن، ويذيقون البشريّة رجع هذه الأحقاد فتنًا يوقدونها بين بعض الشعوب وبعض، وحروبًا يثيرونها ليأخذوا من ورائها الغنائم، ويرووا بها أحقادهم التي لا تنطفئ، وهلاكًا يسلطونه على الناس .. وهذا الشرِّ كله إنما نشأ من تلك الأثرة البغيضة: {بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} !

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} .

وكان هذا هو الذي يقولونه إذا دعوا إلى الإيمان بالقرآن والإسلام .. كانوا يقولون: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} وهو وحده الحق، ثم يكفرون بما وراءه، سواء ما جاءهم به عيسى عليه السلام، وما جاءهم به محمد خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم -!

والقرآن الكريِم يعجب من موقفهم هذا، ومن كفرهم بما وراء الذي معهم {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} !

وما لهم وللحق؟ وما لهم أن يكون مصدّقًا لما معهم! ماداموا لم يستأثروا هم به؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت