فما كانت الرسالة تجيء لغير عقل كامل، وفكر مدرك، وشخصيّة كريمة اختارها الله تعالى لموضع رسالته وحمل أمانته!
وما كانت الكفاية العقليّة في أسمى علوها بمغنية عن الرسالة؛ لأن العقل لا يمكن أن يكون وحده كافيًا في تدبير الحاضر والقابل إلى يوم الدين، إنما العقل يدبّر ما يحيط به، وهو من غير هداية الوحي لا يفكر إلا فيما بين يديه، ولا يخترق الحجُب والأستار إلى ما وراء ما لديه، فلابد من علم الله يمده بعلم القابل، وهو عالم الغيب والشهادة، فمهما تكن قوة العقل، فإنه لا يستطيع أن يصلح غير زمانه، وكل شيء عند ربك بمقدار!
ومنذ نشأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - والعقل المكتمل حليته العليا التي سما بها على الغلمان أترابه، ومنذ استوى غلامًا والعقل يزينه، ولقد بدا ذلك واضحًا لكل من عرفه، وسبق أن ذكرنا طرفًا من ذلك!
ونحن حين نتكلم على قوته العقلية النافذة إلى الحقائق، لا إلى المظاهر وحدها، نتعرض لنفوره من التقليد من غير دليل، حيث نفر من عادات الجاهليّة التي كانت تحرم وتحلل من غير بيّنة، ولا علم قائم على الحقائق المقررة الثابتة، ومن ثم لم يسجد لصنم قط؛ لأن حكم العقل يتقاضاه ألا يسجد لمن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ويكره ذكر الأصنام وعبادتها!
وحسبنا أن قريشًا قد علمت بكمال عقله، وقوة إدراكه، فرضيت به حكمًا، ساعة أن احتدم الجدل، وكادت المعارك أن تنصب -كما عرفنا- في شأن وضع الحجر!
وحسبنا -أيضًا- أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخض مع الخائضين في العصبيّة الجاهليّة، فلم ينطق بها، ولم يجادل حولها، وأنه كان يحب الوئام والسلام!