نرى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستخف بأشياع الباطل؛ ولا تأخذه كثرة عددهم ووفرة أموالهم، فيلاقيهم بالفئة القليلة، ويفوز عليهم فوزًا عظيمًا، ولم يكن بالرئيس الذي يبعث بالجيش إلى مواقع القتال، ويقعد خلافهم حذرًا من الموت؛ بل يقول الجند، ويدبّر أمر القتال بنفسه، ويقابل الأعداء بوجهه، ولا يوليهم ظهره!
نرى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصرف عنايته في تزكية الأمّة، وتدبير شؤونها والقيام بجهاد عدوّ هاجم، أو عدو متحفز للهجوم، ولم تشغله هذه الأعمال الخطيرة عن أن يقوم الليلَ قانتًا لله متهجدًا، ثم يملأ جانبًا من النهار في عبادة ربّه متطوعًا!
نرى الرسول - صلى الله عليه وسلم - زاهدًا في متاع هذه الحياة!
ولم يكن مثل أولئك الذين يتظاهرون بالزهد إذا لم يجدوا، حتى إذا ما أيسروا ورأوا زهرة الحياة الدنيا طوع أيمانهم خلعوا ثوب الزهد، وتحولوا إلى طبيعة الشره كثيرًا أو قليلًا!
إن كنت غنيًا مثريًا فاقتد بالرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما كان يسير بين الحجاز والشام، وحين ملك خزائن البحرين [1] !
وإن كنت في سجن الطغاة البغاة العتاة، فلتكن لك أسوة به، وهو - صلى الله عليه وسلم - في الشِّعب!
وإن كنت عائلًا ذلك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة، حين قدم إلى المدينة مهاجرًا إليها من موطنه، وهو لا يحمل من حطام الدنيا شيئًا!
(1) الرسالة المحمدية: 135 بتصرف.