يطعنون في القرآن الكريم، ويتهمونه بالتناقض والفساد في النظم والإعراب، والناظر في كتابه يدرك بيسر وسهولة أنه قد استوعب ما ورد في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و «معاني القرآن» للفراء وأخرجهما في ثوب جديد، أكثر ترتيبًا وتنظيمًا [1] ، وتأثر به تلاميذه ومن جاء بعده من المفسرين [2] . ولم يَخْلُ تفسير من التفاسير المطوَّلةِ والمتوسطة بعد ذلك من مباحثِ البلاغة، والاستشهاد عليها بشواهد الشعر البلاغية، كتفسير الطبري (310 هـ) ، والزمخشري (538 هـ) ، وابن عطية (542 هـ) ، والقرطبي (671 هـ) وغيرهم.
فمن أمثلة الشواهد البلاغية في كتب الدراسات القرآنية ما ذكره أبو عبيدة في تفسير قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ} [التوبة: 1] [3] ، حيث قال: « {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ} ثم خاطب شاهدًا فقال {فَسِيحُوا} [التوبة: 2] [4] ، مَجازُهُ: سِيْروا وأَقبِلوا وأَدبِروا، والعَربُ تفعل هذا، قال عنترة:
شَطَّتْ مزارُ العاشقين فأصبحتْ ... عَسِرًا عليَّ طِلابُكِ ابنةَ مَخرمِ [5] » [6] .
وهو يشير هنا إلى ما سَمَّاه البلاغيونَ «الالتفات» وهو «انصرافُ المتكلمِ عن المُخاطَبةِ إلى الإخبارِ، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك» . [7] ومن أول من أشار إليه وإن لم يسمه باسمه أبو عُبيدة بقوله: «والعربُ قد تُخاطبُ فتُخبِر عن الغائبِ والمعنى للشاهدِ، فترجعُ إلى الشاهدِ فتخاطبه» [8] ، كما أشار الفراء إليه وإن لم يسمِّه باسمه [9] . ولعلَّ
(1) انظر: أثر النحاة في البحث البلاغي للدكتور عبدالقادر حسين 117.
(2) انظر: نقد الشعر عند ابن قتيبة للدكتور عبدالكريم محمد حسين 396 وما بعدها.
(3) التوبة 1.
(4) التوبة 2.
(5) انظر: ديوانه 16، شرح القصائد السبع الطوال 299.
(6) مجاز القرآن 1/ 252، 2/ 139.
(7) معجم المصطلحات البلاغية لأحمد مطلوب 174، الصناعتين للعسكري 392.
(8) مجاز القرآن 2/ 139.
(9) انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 60، 195، 460.