واحدةً، فَبقيت اثنتان، فأُدْغِمَت في صاحبتها. ثُمَّ أنشد الفراءُ على ذلك ثلاثة شواهد شعرية. الأول منها قول الشاعر [1] :
وإِنِّي لَمِمَّا أُصدرُ الأمرَ وجْهَهُ ... إذا هو أعيا بالسَّبيلِ مَصادرُهْ [2]
والشاهد في قوله: «لَمِمَّا» ، أصلها «لَمِنْ مَا» ، قُلبت النونُ ميمًا، واجتمعت ثلاثُ ميماتٍ، فحُذفت الوسطى، فصارتْ «لَمِمَّا» . و «ما» على هذا القول بِمَعنى «من» . وما ذهب إليه الفراء في توجيه هذه القراءة ردَّهُ بعضُ النحويِيْن، كابن الحاجب فقال: «وهذا بعيد لا ينبغي أَن يُحملَ عليه كتابُ الله، فإِنَّ حذفَ مثل هذه الميم استثقالًا لم يثبت في كلامٍ ولا شعرٍ، فكيف يُحملُ عليه كتابُ الله تعالى» [3] . واختار ابنُ الحاجب أَنَّها لَمَّا الجازمةُ حُذِفَ فعلُها للدلالة عليه، والتقديرُ: لَمَّا يهملوا أو لَمَّا يُتركوا؛ لدلالة ما تقدم من قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] [4] ، ثُمَّ ذكر الأشقياءَ والسعداءَ ومُجازاتِهم، ثم بَيَّنَ ذلكَ بقوله: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} [هود: 111] ، ثُمَّ ختم بقوله: «وما أَعرفُ وجهًا أشبه من هذا، وإن كانت النفوس تستبعده من جهةِ أن مثله لم يقع في القرآن، والتحقيقُ يأَبَى استبعادَهُ لذلك» [5] ، وقالَ بِمِثله أبو حيان [6] .
2 -الشاهد الثاني الذي أورده الفراء قول الشاعر [7] :
كأنَّ مِنْ آخِرِها إِلقادِمِ ... مَخْرِمَ نَجْدٍ قارعَ المَخارِمِ [8]
(1) نُسب البيت مع آخر لثلاثة شعراء هم مُضرِّسُ بن رِبعيِّ، وطُفيل بن عوف، وكعب بن زهير. انظر: شرح أبيات معاني القرآن للدكتور ناصر حسين علي 150.
(2) انظر: معاني الفراء 2/ 29، تفسير الطبري (شاكر) 15/ 494، روح المعاني 2/ 150.
(3) الأمالي النحوية 1/ 67 وانظر: مغني اللبيب 3/ 493، حاشية الشهاب 5/ 142.
(4) هود 105.
(5) الأمالي النحوية 1/ 68.
(6) البحر المحيط 5/ 267، وانظر: مشكل إعراب القرآن لمكي 356، الجنى الداني 268.
(7) لم أعرفه.
(8) القادم: قادمة ظهر الراحلة، المَخرِمُ: منقطع أنف الجبل، وقيل: الطُّرقُ في الجبال، =