على قول ابن مجاهد: «وقد جاءَ البكاءُ مَمدودًا ومقصورًا، قال الشاعر [1] :
بَكَتْ عَينِي وحُقَّ لَها بُكاها ... وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَويلُ [2]
فإن صَحَّ في اللغة قَصرُها على ما رُويَ عن أبي عمروٍ جازَ كما قُصِرَ البكاءُ، وإن لم يصحَّ في اللغة كما شَذَّ في القراءةِ رُفِضَ فاعرف ذلك فإِنَّهُ لطيفٌ». [3]
فهم يعتمدون على الشواهد الشعرية في تصحيح بعض الوجوه الشاذة التي تُروى في بعض أَحرفِ القِراءات، ولو رُويتْ عن أحد القراء السبعة المشهورين من طرقٍ شاذةٍ. [4]
بل إِنَّ أبا بكر ابن مجاهد (ت 324 هـ) الذي صنَّفَ كتاب «السبعة» [5] واختار القراءات، كان يَحفظُ شواهدَ الشعر التي يَحتجُّ بِها على توجيه القراءات من حيث اللغة والنحو، وقد روى عنه بعضَها تلميذُهُ ابن خالويه. [6] وقد انتفع ابن مجاهد بشيخه الطبري في ذلك، وروى عنه كثيرًا من تلكم الشواهد، كما انتفع بعلمه بالعربية والنحو، فقد روى أبو بكر بن مجاهد «أَنَّ أبا العباس ثعلبًا سأَلَهُ: مَنْ بَقيَ عندَكم - يعني في الجانب الشرقي ببغداد - من النحويين؟ فقلت له: ما بقي أحدٌ، مات الشيوخ! فقال: حتى خلا جانبُكُم؟ قلتُ: نعم، إلا أن يكون الطبري
(1) هو حسان بن ثابت كما في ديوانه 504 بتحقيق وليد عرفات، ونسبت لابن رواحة كما في ديوانه 132، ونسب لكعب بن مالك كما في ديوانه 252.
(2) انظر: المقتضب 4/ 292، المنصف لابن جني 3/ 40، شرح الجمل لابن عصفور 2/ 362، المقصور والممدود لابن ولاد 15، إضافة لمراجع الحاشية السابقة.
(3) إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 228.
(4) انظر: حاشية الشهاب على البيضاوي 5/ 220، التذكرة لابن غلبون 1/ 25.
(5) هذا هو الاسم المشهور له، وقد سَمَّاهُ أبو علي الفارسي «معرفة قراءات أهل الأمصار والحجاز والعراق والشام» . انظر: الحجة 1/ 2.
(6) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها 1/ 262، 271.