وهذا وجه من وجوه تفسيرها، وقد فسَّرها مُجاهدُ بالاكتئاب، وفسرها السديُّ، وابن زيد بالهلاك. [1] وقول الفراء قريب من قول مجاهد لأن الاكتئاب أثر من انقطاع الحجة والسكوت، غير أن الطبري فصل القول في معناها بعد ذكره لتفاسير السلف فقال: «وأَصلُ الإِبلاسِ في كلام العربِ عند بعضهم الحُزْنُ على الشيءِ، والنَّدمُ عليه. [2] وعند بعضهم انقطاعُ الحُجَّةِ، والسكوتُ عند انقطاع الحجةِ. وعند بعضهم الخُشوعُ، وقالوا: هو المخذولُ المتروكُ، ومنه قولُ العجَّاج ... » . ثم ذكر الشاهد، وفسَّره بقوله: «فتأويل قولهِ: وأَبْلَسَا، عند الذين زعموا أَنَّ الإبلاسَ انقطاعُ الحجةِ والسكوتُ عنده، بِمعنى أَنه لم يُحِر جَوابًا. [3] وتأوله آخرون بِمعنى الخُشوعِ، وتركِ أهلهِ إياهُ مقيمًا بمكانهِ. والآخرون: بِمعنى الحزنِ والنَّدمِ. يقال منه: أَبْلَس الرجلُ إبلاسًا، ومنه قيل لإبليس: إبليس» . [4]
وذكر ابن فارس أن أصل دلالة الإبلاس على اليأس، وأن ما عداه من المعاني يعود إليه. [5] فتكون بقية المعاني عائدةً لمعنى اليأس. فالخشوع، وانقطاع الحجة، والسكوت، والحُزنُ والاكتئاب تعودُ كلُّها لليأسِ. ولم يذكر الأزهري من معانيه إلا السكوت عند انقطاع الحجة، والقنوط. [6] وقد زاد أبو عبيدة في تفسيره لهذه اللفظة شاهدًا آخر وفسَّره تفسيرًا موافقًا لقول مُجاهد وهو بيت رؤبة:
وحَضَرَتْ يومَ خَميسِ الأَخْماسْ ... وفي الوجوهِ صُفرةٌ وإِبْلاسْ [7]
(1) انظر: تفسير الطبري (هجر) 9/ 247 - 249.
(2) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن 1/ 192.
(3) هذا قول الفراء كما تقدم، وقول الأصمعي كما في شرح ديوان العجاج 156.
(4) تفسير الطبري (هجر) 9/ 249.
(5) انظر: مقاييس اللغة 1/ 299 - 300.
(6) انظر: تهذيب اللغة 12/ 442، لسان العرب 1/ 482 (بلس) .
(7) انظر: ديوانه 67.