فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 950

أن معناها: «لك اللهمَّ نَخشعُ ونَذِلُّ ونَستكينُ إقرارًا لك يا ربَّنا بالربوبيةِ لا لغيرك» [1] .

وقد كان اختيارُه هذا التفسيرَ بناءً على ما روي عن العَربِ في أَشعارِها، وتسميتها الخشوعَ والذلةَ والاستكانةَ عبادةً، وتسميتها الطريق المُذلَّلَ الذي وطئتهُ الأقدامُ مُعبَّدًا، فقال في ذلك: «وإنما اخترنا البيانَ عن تأويله بأنه بِمعنى نَخشعُ ونذلُّ ونستكينُ، دون البيانِ عنه بأَنَّه بِمعنى نَرجو ونَخافُ - وإن كان الرجاءُ والخَوفُ لا يكونان إِلَّا مع ذلةٍ - لأَنَّ العبوديةَ، عند جَميع العربِ، أصلها الذلةُ، وأَنَّها تُسمِّى الطريقَ المذلل الذي قد وطئته الأقدام، وذللتهُ السابلةُ: مُعبَّدًا، ومن ذلك قولُ طَرفةَ بن العَبْدِ:

تُبَارِي عِتَاقًا نَاجياتٍ، وأَتْبَعَتْ ... وَظِيْفًا وَظِيْفًا فوقَ مَورٍ مُعَبَّدِ [2]

يعني بالمَوْرِ: الطريقَ، وبالمُعبَّدِ: المُذلَّلَ الموطوءَ» [3] . وهذا النقل يغني عن التدليل على اعتماد الطبري على الشاهد الشعري المذكور وغيره مِمَّا لم يذكره.

-وهذا مثالٌ آخر يدلُّ على مدى اعتماد الطبري على الشاهد الشعري، وثقته به في تَمثيلهِ للغةِ العربِ أصدقَ تَمثيلٍ، حيث جاء عند تفسير قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) } [الأنفال: 58] [4] ، فذكر أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: {عَلَى سَوَاءٍ} ، وهي ثلاثة أقوال:

الأول: بمعنى فانبذ إليهم على عَدْلٍ، حتى يعتدل علمك وعلمهم

(1) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 160.

(2) يصف ناقته، ومعنى تباري: تُجاريها وتسابقها، والعتاق هي الكريمة الأصل، والناجية: السريعة، والوظيف: من رُسغي البعير إلى ركبتيه في يديه، والوظيف في البيت هو خف الناقة. انظر: ديوانه 35.

(3) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 161.

(4) الأنفال 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت