فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 950

أشياخِ العربِ، وأهل البَداوةِ [1] ، وقد سأل الكسائيُّ الخليلَ بن أحمد: من أين أخذتَ علمك هذا؟ قال: مِن بوادي الحجازِ، ونَجدٍ، وتِهامة [2] . وجعل الجاحظُ من تَمَامِ آلةِ الشِّعرِ أن يكون الشاعرُ أعرابيًّا [3] . وذكر الفارابيُّ [4] علةَ ذلك بقولهِ: «ولَمَّا كانَ سُكانُ البَريَّةِ في بيوت الشَّعَرِ، أو الصوفِ والخيامِ والأَحسيةِ [5] من كل أمةٍ، أجفى وأَبعدُ من أن يَتركوا ما قد تَمكَّنَ بالعادة فيهم، وأَحرى أن يُحصِّنوا نفوسهم عن تَخيُّلِ حروفِ سائر الأمم، وألفاظهم، وألسنتهم عن النطق بها، وأحرى أَلاَّ يُخالطهم غيرُهم من الأمم، للتوحشِ والجفاء الذي فيهم، وكان سُكَّانُ المدن والقُرى وبيوتِ المَدَرِ منهم أَطبع، وكانت نفوسهم أشدَّ انقيادًا لنُطقهم بِما لم يتعودوه، كان الأفضلُ أن تؤخذ لغاتُ الأمَّةِ عن سكان البَراري منهم، متى كانت الأممُ فيها هاتان الطائفتان» [6] ، بِخلافِ الحاضرةِ التي كانتْ مِظنَّة الخلطِ واللَّحنِ [7] ، وقد أشار إلى ذلك أبو عمرو بن العلاء حينما قال: «لم أَرَ بدويًا أقامَ بالحَضَرِ إِلَّا فَسَدَ لِسانُهُ غَيْر رُؤبةَ والفرزدق» [8] .

فعلى قدرِ توغُّلِ القبيلة في البداوة في وسط الجزيرة العربية -كبوادي نجد والحجاز وتهامة - تكون فصاحتها، ولذلك عَقَدَ ابنُ جني فصلًا بعنوان «بابٌ في ترك الأخذِ عن أهلِ المَدَرِ كما أُخِذَ عن أَهلِ الوَبَرِ» [9] . كما افتخر بعض البصريين بِمَروياتِهم على الكوفيين، ويقولون:

(1) انظر: رسالة الغفران 177.

(2) انظر: إنباه الرواة 2/ 258.

(3) انظر: البيان والتبيين 3/ 142.

(4) هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفيلسوف، ولد سنة 260 هـ وتوفي بدمشق سنة 339 هـ. يعد من كبار الفلاسفة، ولقب بالمعلِّم الثاني لشرحه كتب أرسطو المعلم الأول عند الفلاسفة. انظر: وفيات الأعيان 5/ 153

(5) هي الرمال، وهو يشير إلى الصحراء .. انظر: لسان العرب 3/ 182 (حسا) .

(6) الحروف والألفاظ 146.

(7) انظر: البيان والتبيين 1/ 163.

(8) شرح شواهد المغني 1/ 15، خزانة الأدب 1/ 220.

(9) الخصائص 2/ 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت